اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

عارف عادل مرشد : الحصار الاقتصادي والبقاء السلطوي

عارف عادل مرشد : الحصار الاقتصادي والبقاء السلطوي
أخبارنا :  

استخدمت الإمبراطوريات الحصار الاقتصادي والمنع التجاري منذ قرون، الا أن فكرة الحصار الاقتصادي ظهرت بشكل واضح في الحرب العالمية الأولى، حيث لجأت القوى العظمى آنذاك إلى الحصار البحري كآلية لإخضاع الدول المعادية عبر خنق اقتصادها، من خلال قطع خطوط الإمداد وحرمانها من الموارد الحيوية، دون الحاجة إلى الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة على هذه الدول المعادية. ثم انتقل الحصار الاقتصادي من المجال العسكري إلى المجال السياسي - الاقتصادي في القرن العشرين؛ فقد لجأت الولايات المتحدة الأمريكية إلى خيار العقوبات الاقتصادية لإضعاف دول مثل كوبا وفنزويلا وإيران، ومن ثم استنزاف قدراتها الاقتصادية لدفع شعوبها إلى الثورة على النظام السياسي القائم.

 

كما أن الحصار الاقتصادي الحديث امتد ليشمل النظام المالي الدولي، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد العالمية، والوصول إلى الأسواق، ولم يعد يقتصر على التجارة. وهو ما جعله أقرب إلى نظام إكراه شامل متعدد الأبعاد، بإمكانه التأثير في بنية اقتصاد الدولة المُستهدفة. فهو بمثابة حرب غير مرئية، الأمر الذي يجعل منه أداة أكثر تعقيداً وإشكالية من الناحية الأخلاقية والسياسية.

فمن الناحية السياسية، تؤكد الشواهد التاريخية أن الحصار الاقتصادي رغم قسوته لم يحقق الغرض منه، ولم يؤدِ إلى تغيير الأنظمة السياسية. وهو ما يتبدى في حالة النظام الكوبي الذي تمكن من التكيف مع ضغوطات البيئة الخارجية التي فرضتها ظروف الحصار الاقتصادي، الأمر الذي أدى إلى تقوية شرعية النظام المُستهدف في مواجهة العدو الخارجي، وتعزيز التماسك الداخلي، بدلاً من إسقاط النظام.

ويرتبط ذلك بما يمكن وصفه بـ "منطق البقاء السلطوي"، حيث تكون النخب الحاكمة أكثر استعداداً لتحميل المجتمع كلفة العقوبات من التنازل عن السلطة، وتحديداً في الأنظمة التي تمتلك أدوات قمع وشبكات زبائنية وآليات لإعادة توزيع الموارد تمكنها من امتصاص الصدمات الاقتصادية وتوظيفها سياسياً، إما عن طريق مضاعفة جهود الاكتفاء الذاتي، أو بناء شبكات تهريب، أو استخدام وسطاء، أو إعادة توجيه التجارة. ففي حالة إيران، على سبيل المثال، قيّدت العقوبات قدرات الدولة المالية والنفطية، لكنها شجعت كذلك شبكات التفاف معقدة تشمل سفناً، وشركات واجهة، ومدفوعات بديلة، ومسارات تجارية رمادية؛ وكذلك الحال، أيضاً، مع كوريا الشمالية، فقد دفعتها العزلة إلى اقتصاد تهريب وتمويل غير مشروع.

كما يكشف البعد الأخلاقي للحصار الاقتصادي عن مشكلة جوهرية في هذه الأداة؛ فإذا كان الهدف المُعلن هو تغيير سلوك النظام، فإن الوسيلة الفعلية تمر عبر الضغط على السكان المدنيين، أي أن المجتمع يُستخدم كأداة غير مباشرة. للي ذراع السلطة وإرغامها على التراجع. وهذا ما يضع الحصار في منطقة رمادية أخلاقياً، حيث يتحول الحصار من أداة ضغط سياسية إلى ما يشبه آلية لإنتاج المعاناة كوسيلة للإكراه، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى تصنيفه ضمن أشكال "العنف البنيوي الدولي".

لذلك عُقدت الآمال على العقوبات محددة الهدف، كتجميد الأصول، وحظر المعاملات المالية، التي ينعكس أثرها على النخب السياسية أو شرائح المجتمع التي تعتقد أنها مسؤولة عن سلوك عدائي، كوسيلة للحد من جعل المدنيين أهدافاً لعقوبات اقتصادية الهدف منها استخدام معاناتهم لخلق رد فعل ضد النظام السياسي القائم.


مواضيع قد تهمك