القس سامر عازر : شعبُ الله أم شعبٌ لله؟:
القس سامر عازر
من أكثر الأسئلة التي تستوقف الفكر الديني والإنساني سؤالُ العلاقة بين الله والشعوب والأمم: هل الله هو إله شعب دون آخر؟ وهل يمكن لشعبٍ ما أن يدّعي لنفسه مكانةً أسمى من سائر الشعوب، أو أن يعتبر انتماءه القومي أو العرقي أو الإثني أو الديني سببًا يجعله أقرب إلى الله وأرفع منزلةً من غيره؟
ولعلّ السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما تتحول عبارة مثل «شعب الله» من تعبير لاهوتي عن دعوة ومسؤولية، إلى شعارٍ يُستخدم لإثبات التفوق، أو لتبرير الاستعلاء على الآخرين، أو لإضفاء قداسة على الهوية القومية والعرقية والدينية. فهل الله، في عدالته المطلقة، ينظر إلى بعض الشعوب بعينٍ تختلف عن نظرته إلى شعوب أخرى؟ وهل هناك في الذات الإلهية تفضيلٌ عرقي أو إثني أو قومي؟ أم أن المشكلة ليست في الله، بل في الإنسان الذي يحوّل اختياره إلى امتياز، ودعوته إلى تفوق، ونعمته إلى حق حصري؟
إن الكتاب المقدس، عندما يتحدث عن «شعب الله»، لا يقدم لنا مفهومًا عن شعبٍ أفضل من غيره، بل عن شعبٍ دُعي ليكون أداة في يد الله من أجل الآخرين. وهذه نقطة جوهرية كثيرًا ما تُغفل عندما نقرأ مفهوم الاختيار الإلهي.
فالله يقول لإبراهيم: «وأبارك مباركيك... وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض» (تكوين 12: 3). لم يكن الوعد لإبراهيم غايةً مغلقة على إبراهيم ونسله، بل كان في جوهره وعدًا مفتوحًا على «جميع قبائل الأرض». فالبركة التي تأتي من الله لا تتوقف عند من ينالها، وإنما تعبر من خلاله إلى الآخرين.
وهنا يكمن الفرق الكبير بين الاختيار والامتياز.
فالاختيار في المنظور الكتابي ليس شهادة تفوق، ولا وسامًا يوضع على صدر جماعة لتقول: «نحن أفضل منكم»، وإنما هو تكليف: أنتم مدعوون لكي تكونوا بركة للآخرين.
ولذلك، حين يقول الرب لبني إسرائيل: «أنتم شعب مقدس للرب إلهكم، وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض»، لا يترك النص مجالًا لتحويل الاختيار إلى استحقاق ذاتي، إذ يتابع مباشرة: «ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب... بل من محبة الرب إياكم» (تثنية 7: 6-8).
يا لها من إجابة لاهوتية عميقة!
فحتى الاختيار نفسه لا يقوم على «أفضلية» المختار، بل على محبة الله ونعمته.
إن الله لا يقول: اخترتكم لأنكم أعظم، أو أذكى، أو أنقى عرقًا، أو أرفع شأنًا، أو أكثر استحقاقًا من غيركم. بل يقول، بمعنى واضح، إن الاختيار ليس ثمرة تفوق الإنسان، وإنما ثمرة نعمة الله.
وهنا ينبغي أن نتوقف طويلًا أمام مفهوم «شعبُ الله».
هل «شعبُ الله» تعبير عن احتكار الله لشعب؟ أم تعبير عن انتماء شعب إلى الله؟
الفرق بين السؤالين هائل.
الله ليس ملكًا قوميًّا لشعب، ولا إلهًا عرقيًا لأمة، ولا حارسًا حدوديًا لهوية بشرية. الكتاب المقدس يضع هذه الحقيقة منذ البداية في كلمات بالغة الوضوح: «للرب الأرض وملؤها، المسكونة وكل الساكنين فيها» (مزمور 24: 1).
فالأرض كلها لله، والإنسان كله لله، والشعوب كلها أمامه خليقة واحدة، وإن اختلفت لغاتها وثقافاتها وألوانها وأوطانها وتقاليدها وأديانها.
إن تعدد الشعوب لا يعني تعدد قيمة الإنسان أمام الله.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية: هل هناك شعب أهم من شعب في نظر الله؟
إذا كان الله هو الله العادل، والمحبة هي جوهر طبيعته، فلا يمكن أن يكون التفوق العرقي أو الإثني أو القومي جزءًا من طبيعته. فالله «ليس عنده محاباة» (رومية 2: 11)، و«الله لا ينظر إلى الوجه» (غلاطية 2: 6).
إن الإنسان ينظر إلى الانتماء قبل أن ينظر إلى الإنسان: هذا من شعبي، وهذا من غير شعبي؛ هذا من عرقي، وهذا من عرق آخر؛ هذا من ديني، وهذا من دين مختلف؛ هذا منا، وذاك منهم.
أما الله، فدعوة الكتاب المقدس لنا أن نتعلم أن نرى الإنسان أولًا باعتباره خليقة الله.
وهذا لا يعني أن الله لا يختار أشخاصًا أو جماعات أو أممًا لأدوار محددة في التاريخ. على العكس، الكتاب المقدس مليء بالدعوات والاختيارات: إبراهيم، موسى، داود، الأنبياء، الرسل، بل وشعوب وجماعات بأدوار تاريخية مختلفة.
لكن علينا أن نميز بين اختيار شخص أو شعب لمهمة، وبين اختياره لأنه أفضل من الآخرين.
الله قد يختار شخصًا ليحمل رسالة، لكنه لا يختاره لأن قيمته الإنسانية أعلى من الآخرين.
وقد يختار شعبًا ليكون شاهدًا، لكنه لا يختاره لأن دماءه أكثر قداسة من دماء الآخرين.
وقد يدعو جماعة لتخدم مقصده في مرحلة تاريخية، لكن الدعوة لا تمنحها حق احتقار من لم يُدعَ إلى المهمة نفسها.
فالاختيار الإلهي لا يصنع طبقات من البشر؛ إنه يصنع مسؤوليات مختلفة.
وهنا تتضح عظمة الرسالة التي أعطاها الله لبني إسرائيل: «وتكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة» (خروج 19: 6). والكاهن، بطبيعته، ليس إنسانًا يعيش لنفسه. الكاهن يقف في الوسط، يحمل الآخرين في صلاته، ويخدم من حوله، ويشهد لله أمام العالم.
إذن أن تكون «شعب الله» يعني، في أحد أعمق أبعاده، أن تكون شعبًا من أجل الآخرين.
المشكلة تبدأ عندما نقلب المعادلة: مِن «اختارني الله لأخدم» إلى «اختارني الله لأنني أفضل».
عندها تتحول النعمة إلى غرور، والدعوة إلى استعلاء، والهوية إلى أداة إقصاء، والدين إلى وسيلة لتقسيم البشر إلى «نحن» و«هم».
وهذا الخطر لا يخص شعبًا بعينه، ولا دينًا بعينه، ولا عرقًا بعينه. إنه خطر بشري يمكن أن يصيب أي جماعة عندما تخلط بين قداسة الرسالة وقداسة الذات.
فليس هناك شعب «مقدس» بمعنى أن أبناءه أفضل جوهريًا من سائر البشر. وقد يكون الشعب الذي اختاره الله للخدمة أكثر مطالبةً بالعدل والرحمة والأمانة، لا أكثر إعفاءً من الحساب.
ولهذا كان الأنبياء، في كثير من الأحيان، أشد قسوة في نقدهم للشعب الذي ينتمون إليه. فالاختيار لم يكن حصانة من الدينونة، بل جعل المسؤولية أكبر.
إن الله الذي يطلب من شعبه أن يكون شاهدًا للحق لا يمكن أن يقبل الظلم الذي يُرتكب باسم ذلك الاختيار. والأمر نفسه ينطبق علينا نحن المسيحيين.
ليس معنى أن المسيح جاء إلى العالم من خلال شعب وتاريخ وجغرافيا محددة أن الله أصبح إله جماعة بشرية صغيرة. بل العكس تمامًا؛ في المسيح تنفتح الخلاصات والوعود على الجميع. يقول بولس: «ليس يهودي ولا يوناني... لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع» (غلاطية 3: 28).
والمسيح نفسه يضع أمامنا صورة الملكوت الذي لا تحكمه الحدود القومية حين يقول: «يأتون من المشارق والمغارب ومن الشمال والجنوب ويتكئون في ملكوت الله» (لوقا 13: 29). فالملكوت أوسع من حدودنا، والله أكبر من خرائطنا، ومحبته أوسع من هوياتنا. ومن هنا فإن السؤال «شعبُ الله أم شعبٌ لله؟» يحتاج إلى إجابة تتجاوز لعبة المفرد والجمع. فالله، من جهة، هو إله كل الشعوب؛ «من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان» (رؤيا 7: 9). ومن جهة أخرى، هناك شعب لله بالمعنى الروحي والعهدي؛ شعب يتشكل لا على أساس الدم والعرق والجغرافيا، بل على أساس العلاقة مع الله والدعوة إلى الشهادة والخدمة والمحبة.
ولهذا، فإن عبارة «شعب الله» لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نفيًا لوجود شعوب الله الأخرى، بل باعتبارها إعلانًا أن الله يريد أن يصنع من البشر جميعًا شعبًا للمحبة والعدل والسلام.
إن الله لا يحتاج إلى شعبٍ يقول للعالم: نحن أفضل منكم.
بل يحتاج إلى شعب يقول: ما أعطانا الله إياه ليس لنا وحدنا، بل لكي يكون بركة للآخرين. وهنا يصبح مفهوم الاختيار اختبارًا للضمير.
إذا كنت أقول إن الله اختارني، فالسؤال ليس: ماذا يجعلني هذا الاختيار أمتلك من حقوق فوق الآخرين؟ بل: ما المسؤولية التي وضعها الله على عاتقي تجاه الآخرين؟
وإذا قلت إن شعبي مميز، فالسؤال ليس: كيف أثبت تفوقه؟ بل: كيف أجعل هذا التميز — إن كان هناك تميز في الرسالة — خدمةً للإنسان؟
وإذا قلت إن ديني هو الحق، فالسؤال الأخلاقي الذي لا يجوز الهروب منه هو: هل جعلني هذا الحق أكثر تواضعًا ومحبة ورحمة وعدلًا، أم أكثر استعلاءً وإقصاءً وكراهية؟
فالحق الذي لا يقود إلى المحبة يتحول بسهولة إلى أداة سلطة.
والاختيار الذي لا يقود إلى الخدمة يتحول إلى امتياز.
والهوية التي لا تحترم إنسانية الآخر تتحول إلى عصبية.
والدين الذي يجعل الإنسان يحتقر أخاه يحتاج إلى مراجعة عميقة في فهمه لإرادة الله.
إن الله لا يختارنا لأن فينا ما يجبره على اختيارنا. الله يختارنا بالنعمة، ثم يحمّلنا مسؤولية النعمة. وهذه ربما تكون واحدة من أهم الحقائق الروحية في حياتنا. فالنعمة ليست مكافأة على الاستحقاق؛ وإلا لم تعد نعمة. وحين يهبنا الله موهبة، أو مكانة، أو معرفة، أو رسالة، أو قدرة على التأثير، فإن السؤال ليس: «لماذا أنا أفضل؟» بل: «لماذا ائتمنني الله؟»
هناك فرق بين أن تقول: «الله اختارني لأنني أفضل»، وأن تقول: «الله اختارني رغم ضعفي، وأعطاني نعمة ومسؤولية».
الأولى تصنع الكبرياء.
والثانية تصنع التواضع.
الأولى تفصل الإنسان عن الآخرين.
والثانية تجعله أكثر التصاقًا بهم.
ولعل أجمل ما في الدعوة الإلهية أن الله لا يستخدم الأشخاص والشعوب لأنهم كاملون، بل يستخدمهم رغم نقصهم، ويقودهم لكي يكونوا أدوات في تحقيق مشيئته.
فموسى لم يكن بلا ضعف، وداود لم يكن بلا خطيئة، وبطرس لم يكن بلا إنكار، وبولس لم يكن بلا ماضٍ، وبني آسرائيل لم يكونوا شعبًا بلا إخفاقات، ومع ذلك استمر الله في العمل.
لم يكن المجد في الأداة، بل في من يستخدم الأداة.
وهذه الحقيقة تنسف من أساسها كل ادعاء بالتفوق العنصري أو العرقي أو الإثني. فلا أحد يستطيع أن يقف أمام الله ويقول: «اخترتني لأنني كنت أفضل من غيري».
فالإنسان لا يستطيع أن يتفاخر أمام النعمة.
ومن هنا أيضًا نفهم أن التنوع بين الشعوب ليس عيبًا في الخليقة، بل جزء من غناها. اختلاف اللغات والثقافات والتاريخ والتجارب الإنسانية لا ينبغي أن يكون سببًا للاستعلاء، بل فرصة للتعارف والتكامل.
فالكتاب المقدس لا ينتهي بصورة عالمٍ ذابت فيه الشعوب واختفت هوياتها، بل بصورة «جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده، من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة» واقفين أمام عرش الله (رؤيا 7: 9). وكأن السماء نفسها تقول لنا إن التنوع البشري ليس عدوًا لله. المشكلة ليست أن نكون شعوبًا متعددة، بل أن نعتقد أن شعبًا منا يمتلك الله وحده.
المشكلة ليست أن نفتخر بثقافتنا وتاريخنا، بل أن يتحول الفخر إلى احتقار للآخر.
المشكلة ليست في الانتماء، بل في تحويل الانتماء إلى معيار لقيمة الإنسان.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: «هل نحن شعبُ الله؟» بل: «هل نحن شعبٌ لله؟»
فالأولى قد تصبح ادعاءً للامتياز، أما الثانية فهي إعلانٌ للانتماء والمسؤولية.
أن تكون لله يعني أن تكون أكثر إنسانية، لا أقل.
أن تكون مختارًا يعني أن تكون خادمًا، لا متسلطًا.
أن تكون مباركًا يعني أن تصبح بركة.
أن تعرف الله يعني أن تتعلم أن ترى الإنسان الذي خلقه الله.
وأن تحمل اسم الله يعني أن تحمل معه عدله ورحمته ومحبته، لا أن تستخدم اسمه لتبرير ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.
لذلك، فإن الله ليس إله «الشعب الأفضل»، بل إله كل الشعوب؛ وليس إله عرق دون عرق، ولا أمة دون أمة، ولا ثقافة دون ثقافة. وإذا دعَا شخصًا أو جماعة أو شعبًا، فدعوتهم لا تقوم على استحقاق ذاتي، بل على نعمة إلهية، ولا تنتهي عند ذواتهم، بل تمتد إلى الآخرين.
نحن لا نُختار لأننا أفضل من الآخرين؛ بل لكي نكون أفضلَ للآخرين. وربما هنا تكمن المفارقة الإلهية الجميلة:
كلما فهمنا الاختيار باعتباره امتيازًا، ابتعدنا عن الله.
وكلما فهمناه باعتباره نعمة ومسؤولية وخدمة، اقتربنا من قلب الله.
ففي حضرة الله لا يكون السؤال: من هو الشعب الأفضل؟
بل: من هو الشعب الذي عرف أن ما أخذه من الله لم يُعطَ له لكي يتعالى به على الآخرين، بل لكي يخدم به الآخرين؟
وهنا فقط يصبح الإنسان — فردًا كان أم جماعة أم شعبًا — جديرًا بأن يحمل اسم الله، لا بادعاء التفوق، بل بشهادة المحبة.
«بالمحبة وحدها نقدر أن نرى وجه الله.»