اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

الدكتورة نوال محمد نصير : الجريمة ومستقبل الشباب.. كلفة تتجاوز الضحية إلى المجتمع والاقتصاد

الدكتورة نوال محمد نصير : الجريمة ومستقبل الشباب.. كلفة تتجاوز الضحية إلى المجتمع والاقتصاد
أخبارنا :  

بقلم: الدكتورة نوال محمد نصير


قال تعالى: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

لا تتوقف آثار الجريمة عند حدود الضحية أو مكان وقوعها، فكل حادثة تترك وراءها سلسلة من التداعيات التي تمتد لتهز أركان الأسرة والمجتمع والمؤسسات برمتها. من هنا، فإن مفهوم الأمن أعمق بكثير من مجرد غياب الجريمة أو إحصائياتها؛ إنه قدرة المجتمع الحقيقية على حماية الإنسان، وتعزيز شعوره بالطمأنينة، وتوفير بيئة حاضنة تمنح أبناءه، ولا سيما الشباب، الأمل والقدرة على بناء غدٍ أفضل.

في واقعنا اليوم ومع سرعة تدفق الأخبار عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، باتت تفاصيل الجرائم تقتحم وعينا اليومي بشكل غير مسبوق. ورغم الواحة الأمنية المستقرة التي نعيش في ظلها بالأردن، فإن استمرار ظهور بعض الأشكال الجرمية، كالجرائم العنية والاحتيال وقضايا المخدرات، يدق ناقوس الخطر ويستدعي وقفة جادة للبحث في الجذور والوقاية منها، لا الاكتفاء بالتعامل مع النتائج بعد وقوع الفأس بالرأس.

ويقف الشباب في طليعة الفئات الأكثر عرضة لهذه الهزات، سواء وقعوا ضحايا لها أو انجرف أحدهم نحو أتونها. فعندما تتشابك ظروف قلة فرص العمل وتفاقم الضغوط المعيشية مع غياب الاحتواء الأسري والتوجيه التربوي السليم، يصبح الشاب وكأنه يمشي على حبل مشدود، معرضاً للانحراف والعنف. والحقيقة أن الجريمة ليست وليدة صدفة أو عامل أحادي، بل هي عقدة متماسكة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تحتم علينا حلها من جذورها.

أما على الصعيد الاقتصادي، فتكلفة الجريمة أكبر بكثير من الخسائر المادية المباشرة للضحية. إنها تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على بيئة الاستثمار والإنتاج؛ فهذه الظواهر تهز ثقة المستثمرين، وتضاعف الموازنات المخصصة للأجهزة الأمنية والقضائية، وترفع تكاليف التأمين، عدا عن تعطيل طاقات بشرية وإنتاجية كان يمكن توجيهها نحو عجلة التنمية والبناء.

وحتى داخل بيئة العمل ومؤسساتنا العامة والخاصة، تفرض الجريمة وتحديداً قضايا الاحتيال والفساد تحديات قاسية. فهي لا تكتفي بضرر الأفراد، بل تنخر في كفاءة المؤسسة، وتستنزف وقتها ومواردها في تعقيدات إدارية ورقابية ربما تكون ضرورية، لكنها تثقل كاهل العمل. من هنا، فإن المؤسسة الحية والناجحة هي التي لا تنتظر وقوع الكارثة لتبحث عن طوق النجاة، بل تبني حصونها الوققية على قواعد صلبة من الحوكمة والشفافية والرقابة الذاتية، وتغرس ثقافة النزاهة والمسؤولية كجزء أصيل من هويتها واستمراريتها.

قال رسول الله ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [رواه مسلم].

ومن خلال عملي وتجربتي كامرأة عاملة وباحثة في هذا الميدان، أرى بوضوح أن مواجهة الجريمة لا تبدأ من أروقة المحاكم وجدران السجون، بل تبدأ من اللبنة الأولى في الأسرة، مروراً بالمدرسة والجامعة، وصولاً إلى المنبر الإعلامي ومؤسسات المجتمع المدني. إن زرع بذور المسؤولية واحترام القانون والانتماء الحقيقي، إلى جانب فتح الأبواب أمام الشباب ليتعلموا ويعملوا ويبدعوا، هو خط الدفاع الأول المنيع ضد أي انحراف.

ولا يمكننا أن نغفل دور الإعلام في هذه المعظلة، فالتعامل مع أخبار الجرائم يحتاج إلى بوصلة أخلاقية ومهنية عالية، بعيداً عن التهويل الرخيص أو المتاجرة بمعاناة الضحايا من أجل حصد المشاهدات. إن تضخيم صور الجريمة يخلق وهماً بأن المجتمع يعيش في فوضى عارمة، بينما المطلوب هو خطاب إعلامي متوازن، يعي خطورة الجريمة ويوضح أسبابها، وفي الوقت نفسه يسلط الضوء على جهود مؤسسات الدولة في صيانة الأمن وتطبيق القانون بحزم.

إن الحفاظ على أمن الأردن واستقراره ليس مسؤولية جهة بعينها، بل هو عقد اجتماعي ووطني يجمع الفرد بالأسرة والدولة. فتعزيز العدالة، والارتقاء بالوضع الاقتصادي، واحتضان طاقات الشباب، وتكريس النزاهة، ليست مسارات منفصلة، بل هي خيوط ننسج بها مجتمعاً أكثر أماناً ومنعة.

في الختام، قوة أي مجتمع لا تقاس بما يفعله بعد وقوع الجريمة، بل بقدرته على ردم حفرها قبل أن يسقط فيها أحد. وحماية جيل الشباب مسؤولية وطنية لا تحتمل التأجيل، لأن صون هذا الجيل هو في قراءة متأنية صونٌ لمستقبل الوطن بأكمله واقتصاده واستقراره. وككل استثمار حقيقي، كلما أفرغنا طاقاتنا في الإنسان، وعدلنا موازيننا، وفتحنا أمام الشباب نوافذ الأمل والعمل، حصدنا وطناً آمناً واقتصاداً ينمو بثبات.



مواضيع قد تهمك