ابراهيم غرايبة : مستقبل الثقافة في الأردن
تتصل الثقافة بما هي وعي الذات بجميع المكونات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للأمم. لكن هذه المقالة تركز على جزء من الثقافة والعمل الثقافي؛ هو ما يمكن تسميته "الثقافة الخالصة" بما هي التشخيص المادي أو التعبير المحسوس عن الأفكار الجميلة والسامية في أشكال وأنماط مقروءة أو مسموعة أو مرئية، مثل الشعر والموسيقى والفنون التشكيلية والقصة والرواية والمسرح والدراما والسينما والتصميم والعمارة والمتاحف والنشر. أو في أساليب حياة وسلوك اجتماعي يرقى بقدرة الإنسان على تحسين حياته والسمو بها، مثل أسلوب الحياة والسلوك الاجتماعي والتصميم والعمارة.
إن الحديث عن مستقبل الثقافة بمعنى العمل الثقافي الخالص يرتبط بفرص وتحديات استدامة العمل الثقافي وقدرته على استيعاب أسمى أفكار الأمم والأفراد، وأن يكون صناعة قادرة على الاعتماد على نفسها لتكون جزءا من السوق والحياة العامة واليومية وأن تساهم في الازدهار وتحسين الحياة.
تشارك الثقافة بما هي وعي الذات وكما ينعكس هذا الوعي في العمارة العادات والتقاليد والقيم والأعراف والسلوك والتنظيم الاجتماعي وفي التصميم والآداب والموسيقى والفنون الجميلة في بناء وتشكيل المنظومة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للأمم والمجتمعات والأفراد وتحديد أتجاهاتها، ويستدل بها (الثقافة) على الأمم وقياس تقدمها وفشلها. والحال أن الثقافة لا تغيب ما دامت الأمم موجودة، لكنها تعكس حالها، ويصيبها ما يصيب الأمم من ازدهار أو تراجع. هكذا فإن الثقافة يمكن أن تحمي مكتسبات الأمم ومواردها، وتشارك في تعظيمها وتجديدها، ويمكن أن تحمي الفشل والجمود والهدر والتخلف، إنها ليست محايدة، كما أنها أيضا لا تعمل على نحو تلقائي في التقدم والفشل.
إن الوظيفة الأساسية للثقافة والفنون كما يقول هيغل هي الارتقاء بذائقة الأفراد والأمم وتخفيف أو تلطيف النزعة إلى البداءة والفجاجة في الحياة والسلوك. وحسب أمارتيا سن فإن الثقافة تدخل في ثلاثة أدوار؛ تأسيسي، إذ الثقافة مكون أساسي لا ينفصل عن التنمية ويمكن الناس من إدراك قدراتهم، وتقييمي، إذ يتأثر تقديرنا للإنجازات والأعمال والمنتجات والأشياء بالثقافة، وأداتي؛ فالأهداف التي نسعى لتحقيقيا تتحدد بطبيعة ثقافتنا وأخلاقنا. وباختصار فإنها الإجابة الجماعية والمؤسسية والفردية على سؤال؛ كيف نعيش حياتنا؟ وكيف تكون حياتنا أفضل؟ ذلك أن الإنسان تحكم مساره في الحياة نزعتان أساسيتان؛ هما البقاء والبحث، ومن الواضح أن الثقافة تدير هاتين النزعتين باتجاه تحسين الحياة.
ارتبطت الحالة الثقافية الاردنية بالدولة المركزية الحديثة منذ عام 1921 وقبل ذلك كانت جزءا من المجتمعات التي كانت تدير وتدبر بنفسها وضمن إمكانياتها ومواردها معظم احتياجاتها المادية والمعنوية، ثم صاحب الدولة ومؤسساتها الحديثة ثورة ثقافية بدأت بالتعليم والمهن المتقدمة والوظائف والأعمال الحديثة في السوق والمؤسسات الرسمية، هكذا أنشئت المطابع والمسارح والمجلات والصحف والإذاعة والتلفزيون. واندمجت الأعمال والمشاركات الثقافية الثورة العالمية القائمة حول الصناعة والاتصالات، وصارت جزءا من العالم تقتبس منه كل شيء تقريبا وتعطيه أيضا مشاركاتها وإسهامتها وإن كان العطاء والمساهمة الإيجابية أقل من التلقي والاقتباس.
استفاد العمل الثقافي الوطني من المركزية التنظيمية والتقنية لينشئ أعمالا وأسواقا ثقافية تستفيد من السياسات الرسمية ومن الموارد التي أنشأتها المؤسسات الإعلامية والثقافية وخاصة الإعلانات التجارية واتجاهات الطلب على المنتجات الثقافية والفنية، لكنها سوق تعرضت للانهيار والتلاشي بدءا بتكنولوجيا العولمة (الاتصالات والانترنت) التي قوضت المركزية التنظيمية للأعمال والمؤسسات وصارت الثقافة والفنون جزءا من حالة عالمية، وصارت الثقافة الوطنية تشارك في سوق عالمية هائلة تنافسها في المحتوى والموارد، وهكذا فقدت المؤسسات الإعلامية مواردها الإعلامية التي مكنتها من رعاية وإدارة أعمال ثقافية وفنية، كما صار في مقدور المستهلك أو المتلقي أن يختار وبلا حدود وبكلفة قليلة المحتوى والمنتج الثقافي والفني الذي يريده من غير عوائق او جمارك أو تنظيم.
وفي موجة الخصخصة وإعادة النظر في دور الدولة التي هبت على العالم منذ أواخر الثمانينات في القرن العشرين تراجعت حصة الثقافة والفنون في الإنفاق العام، وصارت الصناعة الثقافية في مواجهة عولمة عاتية من غير سند أو دعم من جهات ومؤسسات سياسية أو اقتصادية، وأظهرت العولمة أيضا عدم قدرة المنتج الثقافي والفني الوطني على المنافسة والمشاركة العالمية.
وتطورت التكنولوجيا باتجاه الاتاحة لكل شخص للمشاركة في المجال الإعلامي والفني وتحول الفضاء العام إلى الفوضى وغياب الحوكمة إلا على أساس العرض والطلب، وفي هذه الحالة حدث للثقافة والفنون كما يحدث في الأسواق؛ تطرد المنتجات الرديئة أو قليلة الكلفة المنتجات الجيدة أو الأعلى كلفة، وبالطبع لا يوجد ثقافة وفنون جيدة من غير إنفاق كبير وتفرغ ووقت وتعليم وتدريب دؤوب ومتراكم.
ثم تطورت التكنولوجبا باتجاه قدرة الآلة نفسه على إنتاج الفنون والآداب مستقلة عن الإنسان وبمستوى لا يقل إن لم يزد عن معظم ما هو متداول في الفضاء العام، ولم يعد ممكنا أو صار صعبا التمييز بين المنتجات غير البشرية (الذكاء الاصطناعي) والمنتجات الإنسانية.
إن مرحلة الذكاء الاصطناعي مازالت في بدايتها ولايمكن التنبؤ بمصير الثقافة والفنون في بعدها الإنتاجي وفي أنماطها وأنواعها، هل ستبقى الرواية والفنون والموسيقى والشعر والاعمال الثقافية الخالصة كما هي اليوم أم ستختفي أم ستتحول إلى منتجات مختلفة أم تنشأ أنماط فنية وثقافية جديدة ومختلفة؟
إن الحالة الثقافية والفنية القائمة اليوم (أو بقاياها) نشأت مصاحبة للصناعة، فالدراما لم تكن قبل التلفزيون، والسينما لم تكن قائمة قبل تكنولوجيا التصوير، وتطورت وتغيرت الموسيقى أيضا، وانفصل الاستماع إليها عن التلقي المباشر الذي كان سائدا طوال التاريخ، وهكذا يمكن التقدير أن الثقافة والفنون تشهد في محتواها وأشكالها تحولات ثورية ليس سهلا التنبؤ بها، ذلك أن بومة منيرفا (الحكمة) لا تحلق إلا في الغسق، أي بعد انقضاء الأحداث، إنها طريق نسلكها لكنها غير مطروقة من قبل، بل نصنعها بخطواتنا.
لكن يمكن التقدير على نحو منطقي أن استدامة الثقافة والفنون لتظل وعاء لأسمى الأفكار هي مسؤولية الدولة والمجتمع والأفراد، ويجب أن تنهض الدولة لهذه المهمة، والبداية تكون في التعليم، أن تقدم المدارس والجامعات والأسر للناشئة والأمم مهارات ومعارف وذائقة تضمن القدرة على التمييز بين القبيح والحسن.