باحثون سياسيون : فرصة الرياض لبغداد تعزز إضعاف الفصائل عبر الدولة
العربية نت :
مقابل الاعتداءات المنطلقة من الأراضي العراقية ضد خط أنابيب شرق - غرب النفطي بمنطقتي (الرياض والمدينة المنورة)، آثرت السعودية عدم الرد على مصادر النيران في هذه المرحلة، ودعم جهود الحكومة العراقية، لاتخاذ الإجراءات بمنع الاعتداءات ذاتها وإضعاف الفصائل عبر الدولة، وفقاً لباحثين سياسيين يفسرون لـ"العربية.نت الحدث.نت" دلالات تأجيل الرياض الرد على مصادر الهجمات.
في الوقت ذاته، شددت المملكة على احتفاظها بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات لحماية سيادتها وأمنها وهو الأمر الذي يعكس منهجاً سعودياً قائماً على المرونة، ويمنح المسار السياسي فرصة لمعالجة مصدر التهديد، كما يعزز حضور البعد الدبلوماسي، وفقاً للباحثين.
بالتوازي من ذلك، برز تحرك عراقي رسمي عقب بيان الرياض، إذ وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بالتحقيق مع قيادة عمليات ميسان، بعد ثبوت انطلاق اعتداءات استهدفت السعودية من المحافظة، كما أقال قائد عمليات ميسان، بجانب ضبط منصة لإطلاق الصواريخ داخل الأراضي العراقية، استُخدمت في حادث استهداف خط أنابيب شرق-غرب في السعودية.
تأجيل معلن
في الإطار ذاته، يؤكد عضو هيئة التدريس بقسم العلوم السياسية في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة، الدكتور إياد الرفاعي، أن دلالات الموقف السعودي عقب استهداف خط أنابيب "شرق-غرب" في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، لا تعد "امتناعاً" مطلقاً عن الرد، بل "تأجيلاً" معلناً ومشروطاً زمنياً.
وكانت الرياض أعربت بأشد العبارات عن إدانتها للاستهداف الذي تعرض له خط أنابيب شرق غرب في منطقتي (الرياض والمدينة المنورة) بعدة مسيّرات قادمة من العراق، نتج عنها إصابات بشرية وبعض الأضرار التي تجري معالجتها.
بعد دبلوماسي مزدوج
هنا، يشير الرفاعي إلى أن "تأجيل الرد يحمل كذلك بعداً دبلوماسياً مزدوجاً، يتمثل في تفادي الظهور كطرف رئيسي محارب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل في لحظة إقليمية حساسة، بجانب منح بغداد فرصة لإثبات جدية إجراءاتها قبل أن تقرر الرياض ما إذا كانت "الحكمة" ستستمر أم تتحول مجدداً إلى "قوة".
وبسؤاله عن خيارات الرد السعودي المتاحة إزاء الهجمات القادمة من العراق، أشار الدكتور إياد الرفاعي إلى خياري: "الدبلوماسية والاستخبارات المشتركة"، عبر تزويد بغداد بمعلومات استخباراتية ومنحها مهلة زمنية للتحرك ذاتياً ضد خلايا الإطلاق، لافتاً إلى أن هذا الخيار "الذي تفضله الرياض حين ترى أن الحكومة العراقية قادرة وراغبة في التحرك"، مشيراً إلى أن "الرد العسكري المباشر يعد ضمن الخيارات المطروحة.
تعددية خيارات الرياض
وضمن تعددية الخيارات أمام الرياض، يرجح الدكتور إياد الرفاعي لجوء السعودية إلى التنسيق العسكري المشترك مع أميركا، على غرار الضربات المحددة ضد أهداف تابعة لميليشيات موجودة على الأراضي العراقية ومرتبطة باستهدافات سابقة طالت منشآت بترولية في المملكة، كانت السعودية أعلنت عنها في يوليو، تموز المنصرم، قائلاً:" تبقى خياراً جاهزاً إذا تعثرت المهلة الممنوحة لبغداد".
ضبط النفس
في المقابل، تلجأ المملكة إلى ضبط النفس والصبر الاستراتيجي حين تقدم الظروف الميدانية والسياسية مبرراً لذلك، وفقاً لحديث الدكتور إياد الرفاعي الباحث السياسي السعودي، مشيراً إلى أن طلب رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، ترافق مع إجراءات داخلية ملموسة، ما منح الرياض هامشاً لتفضيل المسار الدبلوماسي مؤقتاً، مشيراً إلى أن المهلة السعودية ليست تنازلاً من طرف واحد، بل تبادل مشروط يقوم على تريث سعودي مقابل إجراءات عراقية.
استثمار الرياض بمقاربات أشمل
في الوقت ذاته، يؤكد أن منح الرياض الفرصة لحكومة الزيدي لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع الاعتداءات المنطلقة من الأراضي العراقية، يجسد حالة استثمار سعودية في مقاربة استراتيجية أشمل تحاول تفادي "إفراغ الدولة العراقية من قوتها"، موضحاً أن ضرب الفصائل بمعزل عن الحكومة العراقية قد يقوي روايتها بأنها "الحامي الفعلي في مواجهة عدوان خارجي، بينما دعم يد بغداد الأمنية، حتى مؤقتاً، يخدم هدف الرياض الأعمق في إضعاف الفصائل عبر الدولة لا رغماً عنها".
ويلفت إلى أن قرار الرياض نابعاً من "حكمة" ناتجة عن قراءة ميدانية للتوازنات الداخلية العراقية، وليس على أي التزام مسبق بعدم استخدام القوة.
ليست مصالحة!
كذلك الحال، شدد على ضرورة عدم قراءة الاستجابة السعودية باعتبارها "مصالحة" نهائية أو تحولاً دائماً نحو النهج التصالحي، معتبراً أنها أقرب إلى هدنة مشروطة بنتائج محسوسة خلال مهلة قصيرة غير محددة علناً، مؤكداً في الوقت ذاته بأن فشل الإجراءات العراقية في وقف تكرار الهجمات، سيعيد على الأرجح خيار الضربات المباشرة إلى الواجهة، وربما بنطاق أوسع.
من جهته، يقول الدكتور إحسان الشمري لـ" العربية.نت" إن الحكومة العراقية اتخذت إجراءات غير مسبوقة لضبط المتورطين في استهداف خط الأنابيب في السعودية على غرار إقالة قائد محافظة ميسان، وإغلاق الحدود مع إيران.
في سياق متصل، لافت إلى توافر جهد استخباري عراقي مهم غير أنه شدد على أن عدم حصر السلاح بيد الدولة بشكل كامل، وعدم إعطاء الفرصة للجماعات المسلحة والخلايا الرديفة سيعزز استمرار الهجمات ضد السعودية.
ويعزو في حديثه سبب استهداف خط أنابيب شرق غرب في السعودية من قبل ميليشيات تابعة لإيران إلى فقدان طهران لأوراق الردع المتمثل في مضيق هرمز، مؤكداً أن هذا الاستهداف يعد محاولة لغرض تخفيف الضغط على الجانب الإيراني.
تحرك سعودي
من جهتها، تقول منيرة القحطاني، باحثة سياسية سعودية إن الموقف السعودي يجمع بين ضبط التصعيد والردع؛ أي تجنب التصعيد غير الضروري، مع إبقاء خيار الرد قائماً إذا فشلت المعالجة أو تكرر الاعتداء من قبل الميليشيات في العراق.
ولفتت في سياق متصل أن نجاح الإجراءات العراقية في منع تكرار الاعتداءات سيعزز تحقيق الهدف دون توسيع الأزمة، أما إذا تكررت، "فإن ذلك يقوي المبرر السياسي والدبلوماسي لأي تحرك سعودي لاحق".