د. عدلي قندح : بورصة عمّان تتجاوز 29 مليار دينار: ماذا تخبرنا القيمة السوقية .. وما الذي تخفيه؟
شهدت بورصة عمّان تحولاً لافتاً في أدائها. فقد أنهت عام 2025 بقيمة سوقية قاربت26.5 مليار دينار، بارتفاع تجاوز 50% عن نهاية 2024، قبل أن تواصل ارتفاعها خلال 2026 لتتجاوز 29 مليار دينار وفق أحدث البيانات المتاحة، بالتزامن مع تجاوز المؤشر العام مستوى 4,000 نقطة. هذه أرقام قوية لا ينبغي التقليل من أهميتها؛ فهي تعكس ارتفاعاً في تقييم الشركات المدرجة وتحسناً في أداء السوق وثقة المستثمرين، بالتزامن مع نمو أرباح عدد مهم من الشركات.
لكن الرقم الكبير يطرح سؤالاً أكبر: ماذا تعني فعلاً قيمة سوقية تتجاوز 29 مليار دينار للاقتصاد الأردني؟ هل تعني أن الاقتصاد حصل على 29 مليار دينار لتمويل الاستثمار؟ وهل ارتفاع القيمة السوقية يعني تلقائياً زيادة مماثلة في رأس المال المنتج؟ بالطبع لا. وهنا يجب التمييز بين أمرين كثيراً ما يختلطان في النقاش العام: ارتفاع قيمة الأصول المالية، وتكوين رأس مال جديد في الاقتصاد الحقيقي. وهذا يستدعي العودة إلى أحد أبسط مبادئ أسواق المال: ارتفاع قيمة السوق لا يعني بالضرورة أن أموالاً جديدة بالقيمة نفسها دخلت إلى الشركات أو تحولت إلى استثمار منتج.
عندما ترتفع قيمة السهم
لفهم هذه المفارقة، لنبدأ بما يحدث فعلياً عندما يرتفع سعر السهم. فإذا ارتفع سعر سهم شركة من دينار إلى دينارين في السوق الثانوية، ترتفع قيمتها السوقية وتزداد ثروة مساهميها، لكن الشركة لا تتلقى الفرق بين السعرين؛ فالأموال تنتقل من مستثمر يشتري إلى آخر يبيع. وهذا ليس أمراً سلبياً. فارتفاع الأسعار يولد ما يعرف في الاقتصاد المالي بـأثر الثروة (Wealth Effect)، ويحسن الثقة، وقد ينعكس بصورة غير مباشرة على الإنفاق والاستثمار، كما يمكن لارتفاع تقييم الشركة أن يسهل عليها الحصول على رأس المال مستقبلاً بشروط أفضل.
لكن هنا تحديداً تظهر نقطة التحول في التحليل: هناك فرق بين أثر الثروة وتكوين رأس المال. الأول ينتج عن ارتفاع قيمة الأصول القائمة، أما الثاني فيحدث عندما تتحول المدخرات فعلياً إلى تمويل جديد لأصول واستثمارات منتجة. وهذا ينقلنا من السؤال عن سعر السهم إلى السؤال الأهم: كيف تتحول المدخرات أصلاً إلى استثمار؟
من سعر الأصل إلى تخصيص رأس المال
هنا نصل إلى الوظيفة الأعمق لسوق رأس المال. ففي جوهر النظرية المالية، لا تقاس كفاءة السوق فقط بارتفاع أسعار الأصول، بل أيضاً بقدرتها على توجيه المدخرات نحو الاستخدامات الأكثر إنتاجية. فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى أن تصبح الشركات القائمة أكثر قيمة، بل إلى أن تتحول المدخرات إلى مصانع وتكنولوجيا وتوسعات وصادرات وشركات جديدة وفرص عمل.
ومن منظور نظرية الاستثمار، يفترض أن تجعل التقييمات السوقية المرتفعة الاستثمار وجمع رأس مال جديد أكثر جاذبية للشركات. ومن هنا يتحول صعود بورصة عمّان من مجرد قصة ارتفاع في الأسعار إلى اختبار اقتصادي: هل ستتحول التقييمات المرتفعة إلى موجة جديدة من الاستثمار والتمويل؟ وللإجابة، علينا أن نعرف من أين يأتي هذا التمويل داخل السوق نفسها.
من السوق الثانوية إلى السوق الأولية
هنا يصبح التمييز بين السوق الأولية والسوق الثانوية ضرورياً. فالسوق الثانوية، حيث يجري تداول الأسهم القائمة، توفر السيولة والتسعير وإمكانية الدخول والخروج. أما السوق الأولية، فهي التي تحصل الشركات من خلالها على تمويل جديد عبر الاكتتابات وزيادات رأس المال والإصدارات الجديدة. والسوقان متكاملان؛ فالسوق الثانوية النشطة تساعد على نجاح الإصدارات الجديدة، بينما تمد السوق الأولية السوق بشركات وأسهم وفرص استثمارية جديدة.
وبالتالي، إذا أردنا الانتقال من قياس نشاط البورصة إلى قياس مساهمتها في تمويل الاقتصاد الحقيقي، فلا يكفي أن نسأل عن المؤشر والقيمة السوقية وحجم التداول. علينا أن نسأل: كم رأس مال جديداً جمعته الشركات من خلال السوق، وإلى أين ذهب؟
ماذا تخبرنا الـ29 ملياراً... وماذا لا تخبرنا؟
وهنا يمكن العودة إلى الرقم الذي بدأنا منه، ولكن بقراءة مختلفة. فالقيمة السوقية التي تجاوزت 29 مليار دينار تخبرنا أساساً كم يقدّر المستثمرون قيمة الشركات المدرجة في لحظة معينة. لكنها لا تخبرنا، بمفردها، كم استثماراً جديداً موّلته البورصة، ولا عدد المصانع والمشروعات التي أنشئت أو توسعت، ولا الوظائف التي نتجت عن رأس مال جديد جُمع من خلالها. وتعزز القراءة الأولية لبيانات الشركات هذه المفارقة؛ فليس كل ارتفاع في رأس المال الاسمي تدفقاً نقدياً جديداً، إذ يمكن أن ينتج عن رسملة الأرباح والاحتياطيات أو عن الاندماجات والاستحواذات. لذلك لا تتوافر حتى الآن أدلة تسمح بالقول إن الزيادة الكبيرة في القيمة السوقية تحولت بنسبة مماثلة إلى تمويل جديد للشركات أو إلى مصانع ومشروعات ووظائف جديدة.
والسؤال الأدق ليس كم أضافت البورصة إلى قيمة الثروة القائمة، بل كم استطاعت أن تحوّل من هذا الزخم المالي إلى رأس مال جديد واستثمار منتج. لكن الشركات لا تحصل على تمويلها من البورصة وحدها، وهنا تبرز خصوصية الحالة الأردنية.
البنوك والبورصة: تكامل لا منافسة
فالقطاع المصرفي الأردني يقوم بدور رئيسي في تمويل الشركات، ولذلك لا ينبغي النظر إلى البنوك والبورصة باعتبارهما بديلين متنافسين. الاقتصاد المتقدم يحتاج الاثنين: البنوك لتمويل الائتمان، وسوق رأس المال لتوفير رأس مال طويل الأجل قادر على تحمل مخاطر النمو والابتكار والتوسع.
فالتمويل بالأسهم لا يرتب على الشركة أقساطاً وفوائد ثابتة، وقد يكون أكثر ملاءمة للشركات المبتكرة وسريعة النمو. ولذلك فالتحدي الأردني ليس إحلال البورصة محل البنوك، بل بناء تكامل أكثر توازناً بين التمويل المصرفي والتمويل عبر سوق رأس المال. وإذا كان هذا التكامل هو المطلوب، فإن السؤال التالي يصبح: كيف نستفيد من الصعود الحالي للبورصة لتحريك هذه القناة التمويلية؟
من ارتفاع السوق إلى دورة استثمارية
هنا تكمن ربما أهم فرصة في اللحظة الحالية. فتحسن التقييمات والسيولة والثقة يمكن أن يشجع الشركات المدرجة على زيادة رؤوس أموالها لتمويل التوسع، ويجعل الإدراج أكثر جاذبية للشركات الخاصة الناجحة. وتقدم التجارب الدولية درساً مهماً في هذا المجال: فالأسواق التي نجحت لم تكتفِ بزيادة التداول، بل بنت جسراً بين الشركة الناشئة والسوق الرئيسية عبر رأس المال المغامر والملكية الخاصة وأسواق النمو. أي أنها لم تنتظر الشركات حتى تصبح جاهزة للإدراج، بل بنت منظومة تساعدها على الوصول إليه.
وهكذا يصبح التحدي بالنسبة للأردن أكبر من المحافظة على ارتفاع السوق: هل نستطيع تحويل هذا الصعود إلى دورة جديدة من الاستثمار والإدراج وتكوين رأس المال؟ لكن حتى لو تحقق ذلك، يبقى سؤال آخر: أي شركات وقطاعات تستحوذ أصلاً على هذه القيمة السوقية؟
ماذا يوجد داخل الـ29 ملياراً؟
فحجم السوق وحده لا يكشف تركيبها. إذا كانت نسبة كبيرة من القيمة السوقية متركزة في عدد محدود من الشركات أو القطاعات، فقد يكون الرقم الإجمالي كبيراً بينما يظل اتساع السوق وتنوعها أقل مما يوحي به الرقم. كما لا يوجد تناقض بين ارتفاع القيمة السوقية وتراجع عدد الشركات المدرجة؛ إذ يمكن لعدد أقل من الشركات، إذا ارتفعت أسعارها، أن ينتج قيمة سوقية أكبر.
لذلك لا يكفي قياس حجم السوق، بل يجب أيضاً قياس اتساعها وتنوعها وقدرتها على التجدد. وتثير درجة التركّز في القيمة السوقية سؤالاً آخر سنعود إليه في المقال المقبل: إلى أي مدى تعكس الشركات والقطاعات المدرجة اليوم الهوية الحقيقية للاقتصاد الأردني وتحولاته؟ وقبل الانتقال إلى ذلك السؤال، تبقى أمامنا مسألة منهجية أخيرة: كيف ينبغي أن نقيس نجاح البورصة أصلاً؟
من قياس السوق إلى قياس أثرها
ربما حان الوقت لتطوير الطريقة التي نقيس بها نجاح بورصة عمّان. إلى جانب المؤشر والقيمة السوقية والتداول، ينبغي أن نعرف سنوياً: كم شركة جديدة دخلت السوق؟ وكم رأس مال نقدياً جديداً جمعته الشركات؟ وكم تحول إلى استثمارات وتوسعات منتجة؟ وما الذي نتج عنه من إنتاج وصادرات ووظائف؟
ويمكن مستقبلاً تطوير مؤشر لقياس قدرة سوق رأس المال على تحويل الزخم المالي إلى الاقتصاد الحقيقي، بحيث ننتقل من قياس أداء السوق المالي إلى قياس أثر سوق رأس المال في الاقتصاد. وعند هذه النقطة يمكن العودة إلى الرقم الكبير الذي بدأ منه المقال، ولكن بسؤال مختلف تماماً.
الرقم الكبير... والسؤال الأكبر
إن تجاوز القيمة السوقية لبورصة عمّان 29 مليار دينار تطور إيجابي يستحق الاهتمام. لكن نجاح سوق رأس المال لا يقاس فقط بما تضيفه ارتفاعات الأسعار إلى قيمة المحافظ الاستثمارية.
الاختبار الأكبر هو قدرة السوق على تحويل هذا الزخم المالي إلى رأس مال منتج: شركات جديدة، وتوسعات، واستثمارات، وصادرات، وإنتاجية وفرص عمل.
فالتحول الحقيقي لا يحدث عندما ترتفع قيمة الشركات الموجودة فقط، بل عندما يصبح ارتفاع السوق قوة تجذب شركات جديدة، وتموّل توسع الشركات القائمة، وتحول المدخرات إلى استثمارات منتجة. وعندها تنتقل بورصة عمّان من سوق يعيد تسعير الثروة القائمة... إلى سوق يشارك في صناعة الثروة الجديدة. لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده: هل تصنع بورصة عمّان اليوم ثروة جديدة للاقتصاد... أم أنها، في معظمها، تعيد تسعير ثروة صُنعت بالأمس؟