اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسماعيل الشريف : إيران وأمريكا.. عداوة أم تقاطع مصالح؟

اسماعيل الشريف : إيران وأمريكا.. عداوة أم تقاطع مصالح؟
أخبارنا :  

نحن لا نوقِّع اتفاقيات سلام مع أصدقائنا، بل نوقّعها مع أعدائنا بالذات لحماية مصالحنا. الاتفاق مع إيران لم يُبنَ على الثقة، بل على التحقق التام - أوباما.

عندما اندلعت الحرب مع إيران في الثامن والعشرين من شباط الماضي، إثر الضربة الأمريكية - الصهيونية النوعية التي طالت المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي وأودت بحياته مع عدد من كبار القادة الإيرانيين، ساد حينها ترقُّب مشوب بالقلق، إذ توقّع كثيرون ردًّا إيرانيًّا عنيفًا يستهدف الحاملات والبوارج الأمريكية، وكذلك الكيان الصهيوني، وذهب البعض إلى الاعتقاد بأن العالم على أعتاب حرب عالمية ثالثة. غير أن مسار الأحداث جاء مُغايرًا لتلك التوقعات؛ حيث لجأت إيران إلى إطلاق موجات متتالية من الطائرات المسيّرة باتجاه عدد من الدول العربية، وهو نهج ما زالت تنتهجه حتى اللحظة الراهنة.

وتُقدّم طهران على الدوام مبررًا ثابتًا لهذه الهجمات، مفاده أنها موجهة أساسًا ضد القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، مستندة إلى منطق مفاده أن أي دولة تستضيف قوات أمريكية أو تسمح بانطلاق طائراتها من أراضيها تُعدّ - من وجهة نظرها - طرفًا فعليًّا في الصراع.

وفي المقابل، تترسخ لدى شريحة واسعة من الرأي العام العربي قناعة مفادها أن ما يجري على الساحة ليس إلا فصلاً من مسرحية مُتفق عليها ضمنًا بين إيران والولايات المتحدة، وأن ثمة تفاهمات غير معلنة تحكم إدارة الطرفين لملفات المنطقة.

ويمثل يوم الثامن والعشرين من شباط 2026 محطة فاصلة في مسار الأحداث، لا تقل أهمية عن منعطفي السابع من أكتوبر 2023 وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، بوصفها لحظات كبرى أعادت رسم ملامح المشهد الدولي، بحيث بات ما قبلها مختلفًا جوهريًّا عمّا تلاها.

وقد سبق هذه الضربات الأمريكية بأشهر عدة، توجّه عدد من القادة العرب بنداءات صريحة تدعو إلى تفادي مهاجمة إيران، محذرين من العواقب الوخيمة لهذه الحرب، كما نبّهوا الجانب الأمريكي إلى أن الرد الإيراني لن يقتصر على المصالح الأمريكية، بل سيطال أيضًا أراضي ومصالح الدول العربية المستضيفة. وقد جاءت التطورات اللاحقة لتؤكد صحة هذه التحذيرات ودقة تلك المخاوف.

لم يُعِر الرئيس ترامب اهتمامًا يُذكر لجميع التقارير التي حذّرته من العواقب المحتملة لهذه الحرب، بما في ذلك احتمالات استهداف دول المنطقة وإغلاق مضيق هرمز. ويذهب البعض إلى أن خوضه هذه الحرب جاء في سياق خدمة مصالح الكيان الإسرائيلي، بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، إلى القول إن استهداف الدول العربية لم يكن أمرًا عرضيًّا، وإنما شكّل أحد الأهداف الكامنة وراء هذه الحرب؛ إذ لم تقتصر الهجمات الإيرانية على القواعد العسكرية وحدها، بل توسعت لتشمل المطارات وأبراج المراقبة ومنشآت تكرير النفط.

فمنذ سنوات مضت، شرعت الدول العربية في مسار تحول عميق في بنيتها السياسية والاقتصادية، تراجعت خلاله الأيديولوجيات السياسية التقليدية، وخفت وهج القومية العربية إلى حد يقترب من الأفول، فيما بدأت أولويات هذه الدول تنحاز نحو التنمية الاقتصادية، والانفتاح على الاقتصادات الصاعدة كبديل عن الهيمنة الغربية التقليدية، مع سعي حثيث لاستقطاب التكنولوجيا من تلك الاقتصادات.

غير أن هذه الحرب جاءت لتقوّض جانبًا كبيرًا من هذا المسار؛ فقد ألحقت أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية، وزعزعت ثقة المستثمرين في استقرار المنطقة، وأعادت الدول العربية، بشكل مباشر وملموس، إلى دائرة الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، فضلًا عن دفعها نحو مزيد من التقارب العسكري مع الكيان الإسرائيلي.

ويبقى التساؤل مطروحًا بإلحاح: هل جاء ذلك محض صدفة؟

أم أن الغاية الحقيقية كانت الإبقاء على منطقتنا رهينة حالة من الفوضى والعسكرة المستمرة، وترسيخ اعتمادها على الحماية الخارجية، ودفع عجلة التقارب مع الجانب الإسرائيلي قُدمًا، وإخراج القضية الفلسطينية من دائرة الحسابات الإقليمية، تمهيدًا لتحقيق الأهداف الصهيونية المتعلقة بضم الضفة الغربية؟

لطالما رفضتُ نظرية التحالف الأمريكي - الإيراني؛ فمن خلال اطلاعي على هذا الملف، لم أعثر على ما يدعم القول بوجود تحالف بين الطرفين في أي مرحلة من المراحل، بل إن الثابت في العلاقة بينهما هو طابع العداء والتصادم المستمر.

غير أنني أجد نفسي، في هذه المرحلة، أمام حالة من التساؤل المشروع إزاء استهداف إيران للدول العربية. ولتجاوز هذه الحيرة، أميل إلى النظر إلى منطقتنا بوصفها رقعة شطرنج كبرى، تخضع فيها كل خطوة لحسابات دقيقة وأهداف محددة سلفًا.

ولعل خير مثال على ذلك، ما جرى حين منحت الولايات المتحدة الضوء الأخضر ضمنيًّا للرئيس صدام حسين لاجتياح الكويت، وهي الخطوة التي أفضت لاحقًا إلى تدمير العراق، وفتحت الطريق أمام إنشاء قواعد عسكرية أمريكية دائمة في المنطقة.

وعليه، فسواء كان ما يجري اليوم نتاج تفاهم مسبق بين واشنطن وطهران، أو كانت إيران بمثابة أداة تستخدمها الولايات المتحدة ضمن استراتيجيتها الجيوسياسية الأوسع، أو كانت طهران، بوصفها قوة إقليمية كبرى، تتصرف بدافع مواجهة عزلتها؛ فإن الخلاصة تبقى واحدة في جميع الأحوال: أن منطقتنا لن تعود كما كانت عليه قبل اندلاع هذه الحرب.


مواضيع قد تهمك