رموي الغزوي : تقدم العقل وتأخر الإنسانرمز
كلما اتسعت معرفة الإنسان بالعالم، ظننا أن شيئا في داخله قد اتسع معها. كأن العلم، وهو يكشف لنا أسرار الذرة والجسد والنجوم، يفتح في الروح نافذة جديدة على الخير. غير أن التاريخ يهمس بحقيقة أكثر قسوة: قد يعرف الإنسان كيف يفكك الذرة، ولا يعرف كيف يكف يده عن إيذاء أخيه. وقد يرسم خريطة الجينوم، ثم يعجز عن رسم حد لغضبه وطمعه.
من هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل تصعد الأخلاق مع العلم في السلم نفسه؟ التجربة الإنسانية لا تمنحنا جوابا مطمئنا. الشعوب القديمة، وهي أقل حظا من علومنا وتقنياتنا، عرفت ضروبا من الروحانيات والقيم والشرائع التي هذبت سلوكها ونظمت عيشها. وفي المقابل، بلغت المجتمعات الحديثة ذروة مذهلة في المعرفة، وما زالت تخوض الحروب وتبني أدوات الإبادة وتلوث الأرض، حتى يبدو أحيانا أن تقدم الوسيلة سبق تقدم الغاية.
لو وضعنا حربا بالسيوف في كفة، وحربا بالأشعة النووية في كفة أخرى، فقد نكتشف مفارقة موجعة: السيف كان يقتل الجسد، أما العلم الحديث فقد منح الإنسان قدرة على محو المدن ومن فيها. المشكلة هنا لا تسكن في المعرفة نفسها، وإنما في اليد التي تحملها. فالعلم يستطيع أن يوسع سلطان الإنسان على الطبيعة، ولا يملك وحده أن يوسع رحمته بالإنسان.
وهنا تكتسب أفكار كلود ليفي-شتراوس معناها. فالمجتمعات القديمة ليست نسخا ناقصة من مجتمعاتنا الحديثة؛ لكل مجتمع طريقته في فهم العالم وتنظيمه. وقد امتلك الإنسان القديم قدرة على الملاحظة والتصنيف والتدبر، وإن اختلفت أدواته عن أدوات العلم الحديث. الفارق في المنهج والأداة، لا في قيمة العقل الإنساني ذاته. لذلك لا يحق للحداثة أن تجعل وفرة المعرفة دليلا تلقائيا على رفعة صاحبها.
لقد اكتشفنا القنبلة، وفككنا الخلية، وبلغنا أطراف الفضاء، ومع ذلك لم نتخلص من أقدم ما يسكن الإنسان: الأنانية، الغضب، الطمع، والرغبة في الهيمنة. المعرفة تكشف لنا كيف يحدث الشيء، أما الأخلاق فتسأل: هل ينبغي أن نفعله؟ وبين السؤالين تقع المسافة كلها.
لهذا لا تكون المعرفة بركة لمجرد أنها معرفة. قد تجعل الإنسان أقدر على العلاج، وقد تجعله أقدر على الإبادة. قد تمنحه أدوات لحماية الأرض، وقد تمنحه أدوات لنهبها على نطاق أوسع. العلم يمنحنا القوة، أما الأخلاق فتقرر إلى أين نمضي بها.
وربما كانت مأساة الإنسان الحديثة أنه صار يعرف عن الكون أكثر مما يعرف عن نفسه. لقد طال ذراع العقل حتى بلغ النجوم، وبقي القلب يتعثر في أول الطريق.
ــ الدستور