حلمي الحراحشة : مسؤولية الكلمة حين يكون الأردن أولاً
كل يوم يخرج علينا عبر منصات التواصل الاجتماعي مسؤول حالي أو سابق بتصريح يفتح باباً واسعاً للنقاش والجدل، وبعض هذه التصريحات لا تمر مروراً عابراً، بل تستفز الشارع الأردني وتؤجج المشاعر، سلباً أو إيجاباً. ولا أتحدث هنا عن حق أي شخص في التعبير عن رأيه أو ممارسة النقد، فهذا حق لا خلاف عليه، وإنما أتحدث عن مسؤولية الكلمة، خصوصاً عندما تصدر عن شخص سبق أن كان في موقع من مواقع القرار والمسؤولية.
المسؤول الذي خدم الدولة في موقع رفيع يعرف أكثر من غيره طبيعة المرحلة التي يمر بها الأردن، وحساسية الظروف المحيطة به، ويدرك أن بعض الكلمات قد تكون لها نتائج أكبر بكثير من المقصود منها. لذلك فإن مغادرة المنصب لا تعني مغادرة المسؤولية؛ فالرجل الذي حمل يوماً مسؤولية عامة تبقى لكلماته مكانة وتأثير، وعليه أن يزنها قبل أن يطلقها.
وفي المقابل، هناك مسؤولية لا تقل أهمية تقع على المواقع والصفحات التي تتولى نشر هذه التصريحات. فليس من المهنية أن تُقتطع كلمة من سياقها، أو جملة من حديث طويل، ثم تقدم بعنوان مثير بهدف تحقيق أكبر قدر من المشاهدات والتفاعل. الاجتزاء قد يحوّل المعنى، والإثارة قد تشعل مشاعر لا حاجة لإشعالها، وتداول مقطع خارج سياقه قد يصنع أزمة من لا شيء.
وهنا تقع المسؤولية علينا جميعاً. على من يتحدث، وعلى من ينشر، وعلى من يعيد النشر والتعليق. علينا أن نتوقف لحظة قبل أن نضغط زر المشاركة، وأن نسأل: هل ما أنشره يخدم الحقيقة؟ وهل يضيف شيئاً للحوار الوطني؟ أم أنه مجرد مساهمة في موجة غضب جديدة؟
نريد أن نتفق جميعاً على قاعدة لا تحتمل التأويل: الأردن أولاً. الاختلاف السياسي مشروع، والنقد حق، والمساءلة ضرورة، لكن أمن الوطن واستقراره وتماسك مجتمعه ليست ساحات للمناكفة أو الاستعراض أو البحث عن الشهرة.
الأردن ليس مُلكاً لحكومة أو مسؤول أو حزب أو جماعة. إنه وطن الأردنيين جميعاً، من شتى الأصول والمنابت، يجمعهم تاريخ واحد ومصير واحد، وأمنه واستقراره مصلحة مشتركة لا يجوز أن تكون رهينة لحظة غضب أو تصريح غير محسوب.
ومن كان في موقع القرار بالأمس، عليه اليوم أن يكون أكثر حرصاً على الدولة، لا أقل. ومن حقه أن ينتقد، ولكن من واجبه أن يقدم نقداً مسؤولاً يحمي الحقيقة ولا يهز الثقة، ويقوّم الخطأ ولا يفتح أبواب الفتنة.
لقد تعب الأردن كثيراً، وقدم شعبه الكثير، ولا يحتمل مزيداً من الخطابات التي تزيد الاحتقان وتعمق الانقسام. فلنختلف كما نشاء، ولكن لنتفق على أن الأردن فوق الجميع، وأن سلامته واستقراره خط أحمر.
وقبل أن نسأل ماذا قال الآخرون، فلنسأل أنفسنا: ماذا ستفعل كلمتنا بالأردن؟
حمى الله الأردن وقيادته الهاشمية الحكيمة وشعبه الطيب الوفي. ارحموا البلد يرحمكم الله.