جهاد المنسي : قانون الانتخاب المقبل.. الاختبار في القوائم المحلية
قد لا يكون السؤال الأهم في التعديل المرتقب على قانون الانتخاب: ماذا سنغيّر؟ بل أين سنضع الـ50 % الحزبية؟ فالمعلومات المتداولة عن إمكانية إعادة النظر في آلية توزيع هذه النسبة، بحيث لا تبقى محصورة في القائمة العامة وإنما تنعكس على القوائم المحلية، تفتح نقاشاً يتجاوز التفاصيل الفنية إلى جوهر مشروع التحديث السياسي.
القانون الحالي رسم طريقاً انتقالياً نحو مجلس نيابي أكثر حزبية؛ فقسّم المملكة إلى دوائر محلية ودائرة عامة، وخصص 97 مقعداً للدوائر المحلية و41 مقعداً للدائرة العامة، مع اعتماد القائمة النسبية المفتوحة في الدوائر المحلية والقائمة الحزبية المغلقة في الدائرة العامة، كما وضع حداً أدنى للتمثيل الحزبي في مجلس النواب الحادي والعشرين (المقبل) بنسبة 50 % على الأقل، وتنظم آلية توزيعها والربط بين القوائم المحلية والعامة بنظام لهذه الغاية.
من هنا، فإن نقل الحصة الحزبية إلى القوائم المحلية، إذا تم اعتماده، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد تبسيط للإجراءات أو إعادة توزيع للمقاعد، السؤال الحقيقي هو: هل سيقرب الأحزاب من الناس؟، أم سيعيد إنتاج المنافسة الفردية داخل قوائم تحمل عناوين حزبية؟
الفكرة يمكن أن تكون إيجابية إذا جعلت الحزب أكثر حضوراً في المحافظات والدوائر، وأكثر ارتباطاً بقضايا الناس، وأجبرته على تقديم برامج ومرشحين قادرين على الدفاع عنها، فالحزب الذي يريد أن يكون شريكاً في صناعة القرار لا يمكن أن يبقى حاضراً في الانتخابات فقط؛ عليه أن يكون موجوداً في المجتمع، وأن يخوض الانتخابات ببرنامج واضح، ثم يتحمل مسؤولية هذا البرنامج داخل البرلمان.
بيد ان الخطر يبدأ عندما يصبح الحزب مجرد مظلة انتخابية لمرشحين يخوض كل منهم معركته الخاصة، وهنا يجب أن يكون النقاش صريحاً: المشكلة ليست في الأحزاب، وإنما في الحزبية غير الفاعلة، وفي تحويل الحزب إلى وسيلة للوصول إلى المقعد ثم العودة إلى عقلية النائب الفرد.
وتزداد أهمية ذلك عند الحديث عن شكل القوائم، فالقائمة المفتوحة تمنح الناخب حق اختيار مرشحين داخل القائمة، لكنها تفتح في الوقت نفسه باب المنافسة بينهم، وقد تجعل المرشح منشغلاً بتجميع أصواته أكثر من انشغاله بتعزيز قائمة حزبه وبرنامجها، أما القائمة المغلقة، فهي أكثر انسجاماً مع التنافس البرامجي، لأنها تدفع الناخب لاختيار مشروع سياسي وفريق متكامل، وتجعل الحزب مسؤولاً بصورة أكبر عن قائمته.
ومع ذلك، ليست القائمة المغلقة وصفة سحرية، كما أن المفتوحة ليست خطأً بذاتها. نجاح أي منهما يتوقف على نضج الأحزاب وشفافية اختيار المرشحين وترتيبهم، وعلى قدرة الحزب على ممارسة الديمقراطية الداخلية وتقديم قيادات وبرامج تقنع الناخبين، لذلك، فإن أي تعديل يجب ألا ينطلق من سؤال: أي صيغة أسهل؟ بل من سؤال أكبر: أي صيغة تخدم الانتقال من برلمان الأفراد إلى برلمان البرامج؟
فالـ50 % التي ستعتمد في تركيبة مجلس النواب المقبل ليست رقماً ينبغي تحقيقه في جداول النتائج، وإنما وسيلة لبناء حياة سياسية أكثر نضجاً، والمقعد الحزبي لا قيمة حقيقية له إذا بقي صاحبه يتصرف كنائب فرد، بعيداً عن البرنامج والكتلة والالتزام السياسي.
الأردن لا يحتاج إلى التراجع عن مشروع التحديث، ولا إلى إضعاف الأحزاب؛ بل يحتاج لأحزاب أقوى وأكثر تأثيراً، وقانون انتخاب ينسجم مع هذا الهدف، وإذا كانت القوائم المحلية هي الطريق لتعميق الحضور الحزبي، فلتكن، لكن بشرط ألا تتحول إلى بوابة تعيد الفردية من النافذة بعد أن حاولنا إخراجها من الباب.
في النهاية، المعركة ليست بين القائمة العامة والمحلية، ولا بين المفتوحة والمغلقة فقط؛ إنها معركة بين منطق البرامج ومنطق الأشخاص، وأي تعديل لا ينتصر للبرنامج سيبقى، مهما بدا متقدماً، مجرد تغيير في الأدوات لا في السياسة.
ــ الغد