اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. اسامة غزال : عمان بين فخاخ الازدحام ومرايا التباهي: من أزمة مرور إلى أزمة رفض التغيير

د. اسامة غزال : عمان بين فخاخ الازدحام ومرايا التباهي: من أزمة مرور إلى أزمة رفض التغيير
أخبارنا :  

ليس ازدحام عاصمة الاردن عمان وليد طرق ضيقة او سوء ادارة للطرق او قلة الانفاق والجسور بالعكس هو مرآة لأزمة ثقافية واقتصادية وبيئية متشابكة، تعكس واقع مجتمع يصارع بين التطور المطلوب وموروثات الاستهلاك والتباهي. ربما يكرر الكثير من الموظفين صباحا ان سبب تاخره الازمات المروريه و سبب عصبيته كذلك وان حلمه اليومي بقضاء يوم اعتيادي هادئ تحول الى مطلب صعب المنال. ففي صباح كل يوم، يستيقظ أكثر من أربعة ملايين ونصف المليون نسمة في العاصمة عمان على مشهد مألوف بقدر ما هو مرهق, طوابير طويلة من السيارات تمتد على امتداد الشوارع الرئيسية والفرعية، ورحلة كانت تستغرق عشر دقائق تتحول إلى ساعة، بل قد تمتد إلى ساعة ونصف في بعض الحالات . هذا المشهد لم يعد مجرد إزعاج عابر، بل تحول إلى أزمة خانقة تلتهم الوقت والجهد والمال، وتترك بصماتها السلبية على الصحة النفسية والبيئية والاقتصادية للمواطن الأردني.


ولكن، هل هذه الأزمة نتاج ضعف البنيه التحتيه او تصميم طرق ضيقة اوسكان متزايدين باضطراد؟ أم أن هناك أبعادًا أعمق تتعلق بالثقافة المجتمعية، والسلوك الاستهلاكي، والنظرة إلى المواصلات العامة، والتباين بين ما هو ضروري وما هو كمالي؟ هذا المقال محاولة لتفكيك هذه الإشكالية من زواياها المختلفة، مستندين إلى وقائع ملموسة وأبحاث علمية، ساعين إلى رسم ملامح حلول مستدامة تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي والبيئي والاقتصادي لهذه الأزمة التي لم تعد تحتمل التأجيل.


لنبدأ بسرد الأبعاد المتشابكة لأزمة المرور في عمان, واول هذه الابعاد البعد العددي والبنية التحتية. حيث يبدو ان المدينة لا تتسع لكل هذا العدد المتزايد و اعداد المواطنين القادمين لاعمالهم من باقي المناطق حيث تقع عمان تحت ضغط مروري هائل، فهي تستحوذ على ما يقارب 70% من إجمالي المركبات المسجلة في المملكة، ويتجاوز عدد المركبات في العاصمة 1.5 مليون مركبة، بالإضافة إلى نحو 200 ألف مركبة تتدفق يوميًا من المحافظات عبر المداخل الرئيسية خلال أوقات الذروة . هذه الأرقام الضخمة تصطدم بشبكة طرق محدودة الطاقة الاستيعابية، وتوسع عمراني أفقي متسارع سبق تطور شبكات النقل والطرق، ما جعل السيارة الخاصة خيارًا لا مفر منه لشريحة واسعة من المواطنين .هذا الزخم العددي يقابله تأخر مزمن في تطوير البنى التحتية للنقل العام، وضعف في التخطيط الحضري الذي جعل النقل العام "ملحقًا مؤجلًا لا عمودًا فقريًا للمدينة" على حد وصف خبراء التخطيط العمراني . والنتيجة مدينة تختنق بمركباتها، وتئن تحت وطأة ازدحامات يومية تلتهم الأرواح قبل الأوقات.


ثاني هذه الابعاد هو البعد البيئي والصحي حيث نلاحظ تغير نوعية الهواء وضوضاء لا تطاق. لا تقتصر تداعيات الازدحام على الجانب الزمني والنفسي والاقتصادي، بل تمتد إلى البيئة والصحة العامة بشكل خطير. فمعظم الانبعاثات الكربونية في المدن مصدرها قطاع النقل الذي يستهلك أكثر من 2.8 مليار لتر من المشتقات النفطية سنويًا، وتأتي نسبة كبيرة من هذه الانبعاثات من السيارات القديمة التي يتجاوز عمرها 15 عامًا والمركبات الثقيلة .بيانات وزارة البيئة لعام 2024 ترسم صورة مقلقة، حيث تجاوز متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة في هواء عمان الحدود الآمنة لمنظمة الصحة العالمية بنسبة 250%، وهي الأعلى في المنطقة بعد القاهرة . هذه الجسيمات الدقيقة التي تتخلل الرئتين وتدخل مجرى الدم هي السبب الرئيس لأمراض تنفسية وقلبية وعائية متزايدة. ويقدر البنك الدولي الخسائر الناتجة عن تلوث الهواء في الأردن بما يعادل 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، أي أكثر من 700 مليون دينار تُهدر سنويًا بسبب الأمراض وفقدان الإنتاجية .الأمر لا يقف عند التلوث الهوائي، فالضوضاء الناتجة عن آلاف المركبات في شوارع عمان تعدى حدودها الطبيعية وأصبحت مصدرًا للتوتر المزمن والقلق والإجهاد اليومي لدى سكان المناطق المزدحمة، مما انعكس سلبًا على صحتهم النفسية وجودة حياتهم.


البعد الثالث هو الاجتماعي والثقافي, يتعلق هذا البعد بالسؤال الجدلي هل السيارة الخاصه ضرورة ملحه. فاذا أردنا فهم جذور الأزمة، لا بد لنا من الغوص في البعد الاجتماعي. ففي المجتمع الأردني، تحولت السيارة من وسيلة تنقل إلى علامة اجتماعية ورمز للمكانة. هذا البعد الرمزي يفسر العديد من الظواهر، منها:


- ارتباط السيارة بالجاه الاجتماعي وليس فقط بالحاجة (وجاهه): فامتلاك سيارة، ولو على حساب الديون والقروض الاستهلاكية، أصبح جزءًا من الهوية الاجتماعية. هناك شعور بأن من لا يمتلك سيارة ينقصه شيء، وهو شعور يتغذى على ثقافة "حب الظهور" و"المباهاة" والتشبه بالآخرين، بل قد يصل الأمر إلى اعتبار السيارة مهرًا بديلاً عن الذهب في بعض الأوساط .


- ضبابية المفهوم الاقتصادي للسيارة: المفارقة أن السيارة أصبحت رمزًا للرخاء، بينما تمثل في الواقع عبئًا ماليًا متزايدًا على ميزانيات الأسر، حيث تذهب حصة ملحوظة من الدخل الشهري لدفع أقساط الشراء، والتأمين، والترخيص، والصيانة، والوقود الذي بات يشكل عبئًا ثقيلاً في ظل أزمة الطاقة . فبدلاً من أن تكون السيارة أداة لإنتاجية وتوفير الوقت، أصبحت مصدرًا لاستنزاف الموارد وطاقة سلبية تنعكس على المستوى المعيشي .


- ضعف ثقافة الادخار والاستهلاك الرشيد: خلافًا للشعوب التي تعي قيمة الادخار والاستثمار، كالشعب الياباني الذي يعتبر الأعلى ادخارًا في العالم وأسس بذلك قوة اقتصاده، فإن النمط السائد بالاردن هو نمط استهلاكي، يظهر بوضوح في الإصرار على السيارة الخاصة حتى في ظل وجود بدائل. هذا الإصرار يعكس ضعف النظرة الاقتصادية للموارد وعدم اكتراث بتداعيات الإسراف على البيئة والصحة العامة.


- ظاهرة السائق الوحيد: خلال ساعات الذروة، نلاحظ أن 90% من السيارات لا تحمل سوى السائق، مما يعكس بوضوح هدرًا في الموارد وتضخمًا مصطنعًا لأعداد المركبات على الطرقات، وهو دليل على غياب ثقافة المشاركة أو ما يُعرف بـ "المشاركة في الركوب" (Carpooling) التي تقلل الضغط المروري بشكل كبير.


هذه السلوكيات ليست مجرد خيارات فردية، بل هي نتاج ثقافة وموروثات تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين لتغييرها. إن إرادة المجتمع الأردني للتغيير تبدو ضعيفة تجاه هذا الملف، مقابل شعوب أخرى تقبلت مفاهيم الاستدامة وخفّضت من انبعاثاتها الكربونية بإرادة حقيقية.


البعد الثالث هو المواصلات العامة, الذي يمثل الحل الامثل الذي يتطلب ثورة في البنية التحتيه وفي تغييرالنمط الفكري والنظره للمواصلات العامه وشعور التشاركيه بالمسؤوليه تجاه البيئه وتقليل الانبعاثات الكربونيه. في مدن العالم المتقدم تُعتبر المواصلات العامة العمود الفقري للحركة اليومية، ففي مدن مثل طوكيو ولندن وباريس، يستخدم الملايين المترو والحافلات يوميًا، ولا تُستخدم السيارة الخاصة إلا في أوقات محددة، كعطل نهاية الأسبوع أو الرحلات العائلية. هذا النموذج يختلف جذريًا عن النموذج الأردني حيث تتركز الحركة اليومية على السيارات الخاصة.


هناك وعي حكومي بأهمية إصلاح قطاع النقل العام والنهوض به، وقد قطعت الأردن خطوات ملموسه مثلا:


- تشغيل الباص سريع التردد (BRT): الذي ينقل يوميًا ما بين 120 و130 ألف راكب، ويعد نقلة نوعية في تقديم خدمة نقل حضري منظمة .

- إنجاز "باص عمان": الذي يديره تحالف المتكاملة للنقل المتعدد، حيث نقلت الشركة خلال عام 2025 نحو 43 مليون راكب عبر 73 خطًا، بمعدل يومي يقارب 177 ألف راكب .

- التوجه نحو الحافلات قليلة الانبعاثات او الكهربائيه: في إنجاز نوعي، أدرج الاتحاد العالمي للنقل العام مدينة عمان كنموذج ريادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للحافلات عديمة الانبعاثات، مما يضع الأردن في طليعة الدول التي تتحول نحو النقل الأخضر .

- إعادة هيكلة النقل العام: تم الانتقال من نموذج الملكية الفردية الذي كان يسيطر على 84% من وسائط النقل إلى نموذج شركات إدارة الخطوط، لضمان نظام منضبط وقائم على الجداول الزمنية .


رغم هذه الجهود، لا تزال شبكة النقل العام بعيدة عن تلبية الطلب الكامل، فهي قد لا تغطي جميع مناطق العاصمة، اوتعاني من ضعف في الترددات وعدم تكامل بين وسائط النقل المختلفة. علاوة على ذلك، لا يزال هناك مشروع القطار الوطني (Jordan National Railway Project) الذي يعد نقلة نوعية نحو المستقبل، حيث يهدف إلى إنشاء شبكة سكك حديدية حديثة بطول 897 كيلومترًا، تربط الحدود السورية بميناء العقبة مرورًا بعمان والزرقاء، مع خطوط إلى العراق والسعودية، لكنه لا يزال في مراحل التخطيط والتطوير، ومن المتوقع أن تبدأ عملياته التشغيلية نحو عام 2030 .هذا الفارق بين متطلبات المرحلة الحالية والبنية المتاحة هو ما يخلق الفجوة التي يعيشها المواطن يوميًا.


لمعالجة أزمة المرور في عمان كأي عاصمه مزدهره تعيش انفتاحا ونموا بكافة المجالات، لا بد من الانتقال من الحلول المؤقتة إلى استراتيجيات متكاملة ومستدامة تعالج الأسباب الجذرية. هذه الحلول تحتاج إلى تكامل بين ثلاث ركائز رئيسية:


- تغيير ثقافة المجتمع: من "سيارتي هويتي" إلى "النقل العام خياري"


حيث لا يمكن تحقيق أي تقدم مستدام دون معالجة الجانب الثقافي. ويجب العمل على:


• إعادة تعريف المكانة الاجتماعية: من خلال حملات توعية طويلة المدى تركز على أن الوعي البيئي والاقتصادي والالتزام بالاستدامة هو معيار الرقي الاجتماعي الجديد، وليس امتلاك سيارة باهظة الثمن، وأن من يستخدم النقل العام هو شخص واعٍ يدرك أهمية الحفاظ على بيئة مدينته وموارد اقتصاده.

• ربط التوعية بالتشريع: كما يشير الخبراء، "الوعي وحده لا يغير الواقع، ما لم يترجم إلى تشريع واضح يربط السلوك بالمسؤولية، والتلوث بالتكلفة" ، فخلق حس بيئي لا يكفي، بل يجب ترجمته إلى سياسات حكومية واضحة.

• تعزيز ثقافة المشاركة والاقتصاد التشاركي: يمكن تشجيع تطبيقات "المشاركة في الركوب" بين الموظفين والطلاب، وتوفير حوافز لأولئك الذين يقللون من استخدامهم للسيارة الخاصة.


- تطوير البنية التحتية للنقل العام:


أي حملة توعية ستذهب أدراج الرياح إذا لم تقترن بتحسين حقيقي في خدمة المواصلات العامة، ويجب أن تشمل هذه التحسينات:


• توسعة شبكة النقل العام وزيادة تغطيتها: بحيث تصل إلى الأحياء السكنية الجديدة والمناطق الصناعية والتجارية الحيوية، وترتبط بمحاور النقل الرئيسية، وألا يكون النقل العام مقتصرًا على الباص سريع التردد فقط .

• زيادة عدد الحافلات وتكرار رحلاتها: لتوفير بديل حقيقي وجذاب للسيارة الخاصة.

• تطوير نظام "النقل المتعدد" (Multimodal Transport): الذي يتيح للمواطن التنقل بسلاسة بين وسائط النقل المختلفة (حافلات، تكاسي، قطار مستقبلي) من خلال نظام دفع موحد ومركزي.

• الاستثمار في القطارات والمترو: لا يمكن لعمان أن تتخلص من أزمتها دون مشاريع نقل جماعي ضخمة مثل القطارات والمترو التي تنتشر في المدن العالمية الكبرى وتشكل العمود الفقري لحركتها.


- البيئة والتشريع: السياسات المحفزة والرادعة


هنا يأتي دور الإرادة السياسية والتشريعات الرادعة والمحفزة في آن واحد:


• تطبيق مناطق خضراء تجريبية (Low Emission Zones): يمكن البدء بمناطق محددة في عمان (كعبدون أو الشميساني) يتم فيها تقييد دخول المركبات الأكثر تلويثًا، وإعفاء المركبات الهجينة والكهربائية من رسوم الوقوف .

• فرض رسوم بيئية على المركبات الملوثة: بدءًا برسوم رمزية على تراخيص المركبات القديمة والثقيلة، على أن تخصص عائداتها لصندوق وطني لجودة الهواء لدعم مشاريع النقل الأخضر.

• إصلاح الدعم وتوجيهه نحو النقل العام: يمكن إعادة توجيه جزء من الدعم الحكومي المقدم للوقود نحو دعم استخدام النقل العام، لجعله أكثر جاذبية من الناحية الاقتصادية.

• توزيع مراكز العمل والخدمات: العمل على لامركزية الأنشطة الاقتصادية والخدمات الحكومية لتخفيف الضغط على العاصمة، عبر إنشاء مراكز خدمات في محافظات أخرى لتقليل التدفق اليومي إلى عمان .


ولابد من التطرق الى الرؤية الحكومية والتزام الأردن الدولي. حيث لا يمكن إنكار الجهود الحكومية الكبيرة في هذا الملف. لقد وضعت الحكومة ملف النقل العام على طاولتها ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، وشرعت في تنفيذ مشاريع كبرى، وأدارت الإصلاح بقرارات مبنية على بيانات دقيقة . كما أبدت التزامًا واضحًا تجاه الأهداف الأممية في خفض الانبعاثات الكربونية، وظهر ذلك من خلال التوجه نحو الحافلات الكهربائية وخطط الاستراتيجية الوطنية للنقل .هناك إرادة قيادية واضحة للتغيير نحو الأفضل ونحو إدارة مستدامة للموارد والحفاظ على بيئة نظيفة، لكن التحدي الأكبر يكمن في سرعة التنفيذ وتكامل الجهود بين مختلف الجهات الحكومية (وزارات النقل، البيئة، الأشغال، البلديات) والقطاع الخاص والمجتمع المدني، فقرارات تخص الحد من تلوث الهواء ليست قرارات بيئية بحتة، بل هي نتيجة متشابكه مع العديد من المحاور، والتخطيط الحضري، وسلوك المجتمعي تجاه مصادر الطاقة، ونمط الاستثمار في البنية التحتية .


أخيرا أزمة المرور في عمان ليست مجرد مشكلة طرق وجسور و انفاق، بل هي مرآة تعكس أزمة أعمق في الثقافة المجتمعية والنظام الاقتصادي وطريقة التخطيط الحضري. هي أزمة تلتهم أوقاتنا وصحتنا وبيئتنا واقتصادنا. لكن الأمل يظل قائمًا، فالوعي بهذه الأزمة لم يعد مقتصرًا على الخبراء، بل أصبح همًّا يوميًا للمواطن البسيط وصانع القرار على حد سواء. الحل لن يكون ببناء جسر هنا أو توسعة شارع هناك، بل بثورة حقيقية في طريقة تفكيرنا وتنقلنا. ثورة تجعل من النقل العام خيارًا مفضلًا وجذابًا، ومن الاستدامة البيئية قيمة اجتماعية نتفاخر بها، ومن القيادة الحكيمة نموذجًا يحتذى به. يكمن التحدي الأكبر في تحويل الأرقام والخطط الموضوعة إلى واقع ملموس، وإشراك المواطن كشريك أساسي في هذه العملية، وإقناعه بقناعة تامة بأن التغيير يبدأ منه هو أولاً. فالمستقبل الذي نريده لمدننا ولأجيالنا القادمة ليس مجرد طرق واسعة، بل هواء أنقى، وحياة أفضل، واستدامة حقيقية. فالبيئة، مثلها مثل العدالة والأمن، لا تُصان بالنوايا، بل بالقوانين والتشريعات التي تربط السلوك بالمسؤولية، وتجعل المواطن شريكًا فاعلاً في حماية مدينته وموارده.





مواضيع قد تهمك