اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

عميد متقاعد عارف الزبن : "إيه بِلْه"… حكاية بطل أردني لا تموت

عميد متقاعد عارف الزبن : إيه بِلْه… حكاية بطل أردني لا تموت
أخبارنا :  

سأحدثكم اليوم عن بطل من وطني، وعن واحد من أبطال قواتنا المسلحة الأردنية الباسلة؛ الوكيل الأول المتقاعد، المرحوم بإذن الله، ماجد محمد بخيت طراد الفريج الجبور.


عرفت ماجد بعبارته التي لم تكن تفارقه "إيه بِلْه"، وهي لهجة بدوية، ولها معاني كثيرة منها: "إي والله"، أو "بكل تأكيد"، أو "صحيح مئة بالمئة" كان ماجد أخاً ورفيقاً عزيزاً، جمعتنا أصعب الظروف وأقساها. لم تكن تملّ حديثه، بل كنت تنصت إليه عندما يتحدث وتترك له المجال؛ لما في كلامه من طيب السوالف، وصدق التجربة، وروح البادية الأردنية الأصيلة.


كان ماجد من رجالات البادية الأردنية الذين خدموا في قوات البادية على حدود وطننا الشرقية (بين جفور والريشة والعناب والاشقف). وعندما تشرفنا بقيادة سمو الأمير عبدالله الثاني بن الحسين (آنذاك)، حفظه الله ورعاه، للعمليات الخاصة آنذاك، ضُمّت قوات البادية إلى العمليات الخاصة، لتصبح لاحقاً لواء البادية، ثم لواء الصاعقة. وقد شكّل رجال البادية القدامى ما يقارب 60 في المئة من قوام اللواء، وكانوا من خيرة الرجال وأكثرهم خبرةً وصلابةً وقدرةً على تحمّل أصعب الظروف.


مع "قوة الواجب نشمي" في أفغانستان


في عام 2010، وقع الاختيار على مجموعة من هؤلاء الأبطال من كتيبة الصاعقة 111، ليكونوا معي ضمن القوة الأردنية المشاركة في أفغانستان، حيث كنت قائداً قوة الواجب "نشمي"، التي خدمت في ولايتي لوجار وولاية وردك، والتي تزامنت خلال ما تطلق عليه قوات الايساف (ISAF) "موسم القتال" وهي الفترة التي كانت تشتد فيها عمليات طالبان والقاعدة ضد القوات الدولية. وصلت القوة إلى ارض أفغانستان، ولم تمضِ سوى فترة قصيرة، تقل عن أسبوعين، حتى بدأ أبناء البادية، بفراستهم المعهودة، يتعرفون إلى طبيعة الأرض الأفغانية، وقراها، ومسالكها، وأهلها. تلك القوة الاردنية التي خصها وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس بكتابة الأكثر انتشارا ومبيعا في الولايات المتحدة Call Sign Choas


كنت أستمتع بالاستماع إلى حديث ماجد داخل ناقلة الجنود المدرعة (MRAP)، خلال زياراتي للمواقع ومشاركتي في بعض الدوريات، وذلك عبر شبكة الاتصال الداخلية في الآلية. كان يملأ الطريق بسوالفه الجميلة ورفقته الطيبة، على الرغم من أن الخطر كان يحيط بنا في كل لحظة ومن كل اتجاه. فعند مرورنا بأي قرية، كنا نتوقع ان كل كيس بلاستيكي ملقى بجانب الطريق على أنه قد يكون عبوة ناسفة، وان كل شخص يسير بمحاذاة الطريق أنه قد يكون مسلحاً ينتظر اللحظة المناسبة لإطلاق النار علينا.


كان ماجد زينة وملحه القوة كلها؛ رجلاً شجاعاً، حاضر البديهة، طيب المعشر، يبعث الثقة والطمأنينة في نفوس رفاقه.


ستة صواريخ وكمين محكم


في 2 أيلول 2010، تعرضت دورية أردنية–أميركية–أفغانية مشتركة لهجوم بستة صواريخ من نوع RPG، على الطريق الممتد بين قريتي بابوس وعلي خان. أصاب أحد الصواريخ الآلية الأولى، فيما استهدفت بقية الصواريخ آليات الدورية، ومن بينها الآلية الأخيرة التي كان يقودها ماجد. حيث مرّ أحد الصواريخ من أمام مرآة السائق، قبل أن يصطدم بمحرك الآلية. وكان برفقة ماجد في تلك الآلية رفاقه الأبطال: الوكيل أحمد ارحيبان عوض، والرقيب حسين عوض خليفة، والجندي الأول ثامر عادل عبد الكريم.


كان المسلحون قد نصبوا كمينهم فوق منطقة قريبة مرتفعة تبعد قرابة 400 متر عن الطريق الرئيسي، مستفيدين من الأشجار المنتشرة على جانبي المنطقة للاختباء. إلا أن أفراد الدورية واجهوا الهجوم بشجاعة، وردوا على مصادر النيران باستخدام الرشاشات المثبتة على الآليات، حتى لاذ المهاجمون بالفرار.


"أرسلوا إلينا الحمامة"


لم يكن ذلك الحادث الأخير. فبعد أقل من شهر، كُلّف ماجد بالمشاركة في مهمة لإيصال المؤن والمساعدات إلى إحدى القرى الأفغانية. وكانت تتقدم القافلة آلية أميركية مزودة بجهاز للتشويش الإلكتروني على العبوات الناسفة. لكن عبوة ناسفة انفجرت بالآلية التي كان يقودها ماجد، فتسببت قوة الانفجار في انقلابها. عندها فقد جميع أفراد الدورية وعيهم، من دون أن يُصاب أيٌّ منهم بأذى جسيم، والحمد لله، بينما بقي ماجد وحده محتفظاً بوعيه كاملاً.


كان في الآلية جهازا اتصال لاسلكي؛ أحدهما يعمل على شبكة الاتصال الأردنية، والآخر على الشبكة الأميركية. تناول ماجد ميكروفون جهاز الاتصال، من دون أن يدرك أنه يتحدث عبر الشبكة الأميركية، وطلب النجدة بلهجته البدوية قائلاً:"أرسلوا إلينا الحمامة"

ساد الصمت في غرفة العمليات، حيث كان يوجد ضباط مناوبون من جنسيات مختلفة؛ فلم يفهم أحد منهم المقصود بـالحمامة.


كان النقيب محمد نمر مناوب في غرفة العمليات، فأبلغ مساعدي، المقدم (آنذاك) حسن دخل الله الخالدي، الذي كان يعرف أن "الحمامة" هو الاسم الرمزي المستخدم على شبكة قوات البادية في الأردن لطلب طائرة هليكوبتر. تدخل المقدم حسن الخالدي على الفور، واتصل بماجد قائلاً بلهجتنا المعهودة: "وش عندك يا ماجد؟"


فأبلغه ماجد بأن الآلية التي يستقلها تعرضت لانفجار عبوة ناسفة وقام بتمرير تقرير الاشتباك. وعلى الفور، طُلب حسن طائرات الإسناد الجوي القريب وطائرات الإنقاذ، وتم إخلاء أفراد الدورية خلال نحو نصف ساعة.


بطولة تستحق التكريم


اعتاد الأميركيون بوصف جنودهم في مثل هذه المواقف بـ "الأبطال "Heroes. وغالباً ما كانوا يمنحونهم ترقيات استثنائية أو أوسمة عسكرية رفيعة تقديراً لشجاعتهم. لذلك لم أتردد، في الاتصال بمعالي رئيس هيئة الأركان المشتركة، وطلبت منه ترفيع ماجد ترفيعاً استثنائياً. وبعد أن استمع معاليه إلى ما قام به ماجد من أعمال بطولية، أمرني بجمع الضباط وضباط الصف وإبلاغهم بأمر الترفيع.


كان ذلك أقل ما يمكن تقديمه لرجل أثبت في الميدان أنه أهل للمسؤولية؛ فقد برهن أن الشجاعة ليست كلاماً يقال، وإنما موقف يُتخذ عندما يصبح الموت على مسافة لحظة واحدة.


الرحيل الذي لم يُنهِ الحكاية


عدنا إلى الأردن في بداية عام 2011، بعد أن أدينا واجبنا وعدنا برجالنا سالمين. لكن يد الغدر امتدت لاحقاً إلى أخي ورفيق السلاح ماجد؛ ففي 12 نيسان 2012، قُتل على يد مجرم في الاردن، في فاجعة أليمة أصابتني وأصابت كل من عرفه وخدم إلى جانبه، تاركاً وراءه ابناً وابنةً يحملان اسمه وذكراه.


رحل ماجد، لكن مواقفه لم ترحل. بقيت سيرته حاضرةً في ذاكرة رفاقه، شاهدةً على شجاعة الجندي الأردني، ونخوته، ووفائه لوطنه، ورفاقه.


لم يكن ماجد مجرد عسكري يؤدي واجبه، بل كان واحداً من أولئك الرجال الذين تصنع مواقفهم معنى البطولة، وتظل ذكراهم حيّة مهما مضت الأعوام.


رحم الله الوكيل الأول المتقاعد ماجد محمد بخيت طراد الجبور، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه ورفاقه خير الجزاء.


أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يرحمك ويغفر لك، وأن يسكنك الفردوس الأعلى من الجنة.


وسلامٌ على بطولاتك، وسلامٌ على روحك، وسلامٌ على كل بطل خدم الأردن بإخلاص؛ عاد من ميدان الواجب أو لم يعد.


وسيظل اسمك يا ماجد محفوراً في ذاكرتي ما حييت، وسأروي حكايتك في كل مجلس، لتبقى سيرتك بيننا، وليقول كل من يسمعها: "إيه بِلْه"… كان ماجد بطلاً أردنياً لا تموت حكايته.




مواضيع قد تهمك