اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

الصبيحي : خطة إعلامية للضمان: من التواصل الشكلي إلى الشفافية والشراكة الحقيقية

الصبيحي : خطة إعلامية للضمان: من التواصل الشكلي إلى الشفافية والشراكة الحقيقية
أخبارنا :  

من ​حقّ الناس أن يعرفوا كل صغيرة وكبيرة عن مؤسستهم، مؤسسة العمال والموظفين والعسكر، مؤسسة الضمان الاجتماعي؛ فهذه المؤسسة لم تُبنَ إلا بأموالهم، ولا ينبغي أن تُدار إلا من أجل رعاية حاضرهم وصون مستقبل أجيالهم. إنها مؤسستهم الوطنية الأولى، وأموالها هي ملكية المؤمّن عليهم والمتقاعدين، موقوفة عليهم على مرّ الأجيال.

ومن هذا المنطلق، لم يعد مقبولاً أن تقتصر السياسة الإعلامية للمؤسسة على التواصل الشكلي، أو التغطيات البروتوكولية، أو الاكتفاء بثقافة "اللقاءات الرسمية" بل أصبحت الحاجة ماسّة لتبنّي خطة إعلامية شاملة وحصيفة تُرسّخ الشفافية، وتعتمد الإفصاح الرقمي الشامل بشقيه التأميني والاستثماري.

محاور الإصلاح الإعلامي:

​إن الإصلاح الإعلامي التواصلي الحقيقي الفاعل في مؤسسة الضمان يتطلب الوقوف عند محاور أساسية لا تحتمل التأجيل، أبرزها:

​أولاً: بناء قنوات اتصال فعالة وإعادة هيكلة مركز الاتصال:

من المؤسف أن تتكرر شكوى المواطنين والمؤمن عليهم من التأخير الكبير في الرد عبر مركز الاتصال (Call Center)، أو إهمال الرسائل والاستفسارات الواردة عبر القنوات الرقمية المختلفة. إن إغلاق نافذة التواصل أو بطئها يولد الفجوة بين المؤسسة وجماهيرها. المطلوب اليوم هو تفعيل قنوات اتصال ذكية وفعالة للغاية، تضمن الرد السريع والدقيق، وتتعامل مع استفسارات الناس بوصفها حقاً واجباً لا منّة فيه.

​ثانياً: حملات توعوية قطاعية إرشادية مستمرة:

لا يكفي أن تصدر المؤسسة بيانات عامة، بل إن المطلوب هو تنفيذ حملات إعلامية توعوية مكثفة وموجهة قطاعياً على مدار العام، تستهدف مختلف القطاعات (المهن الحرة، سائقي الحافلات، قطاع الزراعة، الخدمات، الغزل والنسيج، قطاع عاملي التطبيقات الذكية، وغيرها)، إلى جانب تقديم النصح والإرشاد المستمر للمنشآت والمؤمن عليهم حول حقوقهم وواجباتهم التأمينية لتجنب الوقوع في المخالفات أو ضياع الحقوق.

​ثالثاً: الارتقاء بمفاهيم السلامة والصحة المهنية:

ما زالت قضايا السلامة والصحة المهنية دون مستوى الاهتمام المطلوب من قبل المؤسسة، إذ يكاد ينحصر النشاط في إطلاق "جائزة التميز السنوية" في هذا المجال، دون حتى أن تشهد هذه الجائزة تطويراً جوهرياً في معاييرها أو أثرها الميداني. إن السلامة المهنية هي خط الدفاع الأول عن حياة العاملين وعن أموال الضمان (عبر تقليل إصابات العمل وتكاليفها)؛ ولذا يجب تحويل هذا الملف إلى استراتيجية ميدانية وحملات تفتيش وتوعية مكثفة لا مجرد مناسَبة تكريمية موسمية.

​رابعاً: الإفصاح الشفاف عن التحديات والدراسات الاكتوارية:

إن الشفافية الحقيقية تكمن في مكاشفة المجتمع بالتحديات بكل وضوح، وفي مقدمتها نشر نتائج الدراسات الاكتوارية وتبسيط مفاهيمها للجمهور، ذلك أن شرح المفاهيم الاكتوارية ومدى استدامة النظام التأميني للناس بلغة مبسطة ومباشرة يعزز من وعي المواطن، ويجعله شريكاً في فهم أي تعديلات أو قرارات مستقبلية، بدلاً من ترك الشائعات والتكتم يخلقان حالة من القلق والتشكيك والانتظار المشوب بعدم اليقين.

​خامساً: الإفصاح الشامل عن الاستثمارات والدين الحكومي:

يحتاج الشارع الأردني إلى قدر أكبر من الشفافية فيما يتعلق بإدارة أمواله في صندوق استثمار أموال الضمان. لا بد من الإفصاح المباشر والتفصيلي عن أداء المحافظ الاستثمارية الرئيسة (الأسهم، العقارات، السندات، السياحة)، وتوضيح خطط الصندوق الاستثمارية في إطارها العام. كما يتوجب الإفصاح بشفافية تامة عن طبيعة وحجم الدين الحكومي المقترض من الصندوق، وآليات سداده، والفوائد المترتبة عليه، ليكون المواطن على اطلاع كامل بسلامة ومتانة موقفه المالي.

​سادساً: تفعيل النصوص القانونية المجمّدة (المادة 89/أ أنموذجاً): ولقد تساءل الشارع كثيراً: لماذا تتلكأ المؤسسة في تفعيل بعض النصوص القانونية الصريحة التي تستهدف حماية الشرائح الضعيفة؟ وعلى رأس ذلك المادة (89/أ) من قانون الضمان الاجتماعي المتعلقة برفع الحد الأدنى لراتب التقاعد وراتب الاعتلال. إن تفعيل هذا النص يعكس الاستجابة الحقيقية لظروف المعيشة والارتفاع المتنامي في مستويات التضخم، وهو الاختبار الفعلي لمدى انحياز المؤسسة لحماية مَن هم أكثر حاجةً للدعم.

​ختاماً؛

لعلنا نتفق بأن الإعلام في مؤسسة بحجم مؤسسة الضمان الاجتماعي وصندوق استثمار أموالها ليس مجرد أداة لتحسين الصورة الذهنية، بل ذراع تنفيذية لتحقيق الأمان الاجتماعي وصنع الشراكة، كما أن الشفافية لم تعد خياراً مجرداً، بل التزام قانوني وأخلاقي. فإذا ما شعر الناس أن المؤسسة تتحدث إليهم بوضوح وصدقية، وتسمع شكواهم وتبت فيها بسرعة، وتفصح عن أموالهم بدقة، وتفعّل نصوص القانون لمصلحتهم، ستتحول العلاقة من مجرد علاقة "مُقتطِع ومُقتطَع منه" أو علاقة طرفين بمصالح تكاد تبدو متعارضة إلى شراكة وطنية تكاملية حقيقية قائمة على الفهم والتعاون والتعزيز، تحمي هذه المؤسسة وتحقق أهدافها الاجتماعية والاقتصادية في إطار تكافلي قانوني إنساني مُحكَم

(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).

خبير التأمينات والحماية الاجتماعية

الحقوقي/ موسى الصبيحي


مواضيع قد تهمك