د. حمد الكساسبة : العلاقات الأردنية–الصينية مرة أخرى: بين المخاوف وإدارة المصالح
أثارت الزيارة الملكية إلى الصين نقاشاً مهماً حول مستقبل العلاقة الاقتصادية بين البلدين، وذهبت بعض القراءات إلى التركيز على مخاطر هذه العلاقة، سواء من زاوية تجارب بعض المشاريع السابقة أو من زاوية التنافس الأميركي–الصيني وما قد يفرضه من قيود على حركة الأردن الاقتصادية. وهذه مخاوف تستحق النقاش، لكنها لا ينبغي أن تقود إلى استنتاج أن توسيع الخيارات يعني بالضرورة زيادة المخاطر أو إضعاف الشراكات القائمة. فالدول تعزز أمنها الاقتصادي ببناء شبكة متوازنة من العلاقات وإدارة مخاطرها، والسؤال الأجدى هو: كيف يحول الأردن علاقته مع الصين إلى قيمة اقتصادية مضافة مع الحفاظ على ثوابته وتحالفاته؟
العلاقة الأردنية–الصينية ليست تحولاً مفاجئاً. فقد رُفعت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2015، وجاءت زيارة آب 2026 لتوسيع التعاون في التجارة والاستثمار والنقل والتعدين والزراعة والسياحة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الخضراء والصناعات المتقدمة. وهذا يكشف طبيعة الفرصة: الصين ليست مجرد سوق للاستيراد، بل قاعدة صناعية وتكنولوجية ورأسمالية يمكن التعامل معها انتقائياً. والنجاح لا يقاس بعدد الاتفاقيات، بل بما يتحول منها إلى استثمار وإنتاج وصادرات ووظائف ونقل للمعرفة.
صحيح أن الميزان التجاري يميل بوضوح لمصلحة الصين، وأن الواردات الأردنية منها تفوق الصادرات بأضعاف. غير أن هذا الاختلال ليس حجة للانكفاء، بل لإعادة هيكلة العلاقة. فالتعاون ما يزال أقرب إلى استيراد السلع منه إلى جذب الإنتاج والتكنولوجيا والاستثمار الموجه للتصدير. لذلك ينبغي أن ينتقل الهدف من زيادة حجم التبادل إلى تحسين نوعيته: مصانع مشتركة، وسلاسل توريد، ومراكز لوجستية، وتصنيع لأسواق ثالثة، ونقل للتكنولوجيا. فالعجز التجاري لا يعالج بتقليص الفرص، وإنما بزيادة قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير.
وفي هذا السياق، تستحق تجربة مشروع العطارات قراءة دقيقة بعيداً عن الخلط بين كلفة المشروع ونتيجة التحكيم. فقيمة المشروع تقارب 2.1 مليار دولار، لكنها ليست مبلغاً حُكم به على الأردن. ووفق بيان شركة الكهرباء الوطنية، فإن رد دعوى التحكيم لم يرتب على الحكومة أو الشركة أعباء أو التزامات جديدة خلاف ما كان قائماً بموجب اتفاقيات المشروع. وهذا لا ينفي وجود كلفة مرتبطة باتفاقية شراء الطاقة تستحق المراجعة، لكنه يميز بين عبء تعاقدي قائم وبين حكم مالي جديد. وفي المقابل، لا ينبغي أن يقتصر تقييم المشروع على كلفته المالية، إذ إن تنويع مصادر الطاقة وتعزيز أمن التزويد يمثلان أيضاً قيمة استراتيجية للأردن. كما أن تجربة مشروع واحد لا تصلح أساساً للحكم على مجمل العلاقة مع الصين؛ فالدرس هو تحسين العقود وتوزيع المخاطر والحوكمة، لا استبعاد فرص مختلفة قبل تقييمها.
أما التنافس الأميركي–الصيني، فقد أصبح عاملاً مؤثراً في الاقتصاد الدولي ولا يجوز تجاهله، خصوصاً في القطاعات الحساسة. لكن ذلك يختلف عن افتراض أن واشنطن ستطلب من الأردن مقاطعة الصين أو أن كل استثمار صيني يهدد العلاقة مع الولايات المتحدة. فالإجراءات الأميركية المرتبطة بإيران استهدفت كيانات ومعاملات محددة مرتبطة بالنفط الإيراني وشبكات خاضعة للعقوبات، بما فيها جهات صينية محددة، ولم تكن حظراً عاماً على التجارة أو الاستثمار مع الصين. والتمييز بين الأمرين ضروري حتى لا تتحول إدارة المخاطر إلى تضييق استباقي للخيارات.
المطلوب، إذن، هو إدارة هذه المخاطر باحتراف، من خلال فحص كل مشروع بحسب قطاعه وهيكل ملكيته ومصادر تمويله والتكنولوجيا المستخدمة والأطراف المشاركة، والتأكد من الامتثال للقواعد والعقوبات النافذة. إدارة المخاطر لا تعني تجنب كل فرصة قد تحمل احتمالاً للمشكلة، وإنما تحديد مواطن الخطر وتقليلها مقابل عائد اقتصادي واضح. ويظل الحوار المبكر مع واشنطن مهماً لتوضيح المصالح الأردنية وتفادي أي تعارض محتمل، من دون أن يتحول ذلك إلى قيد مسبق على خيارات الأردن الاقتصادية. أما استبعاد فرص مشروعة بسبب سيناريو سياسي محتمل، فقد يؤدي عملياً إلى تقليص الخيارات أمام الاقتصاد قبل اختبار جدواها.
ولا تتعارض هذه المقاربة مع مكانة الولايات المتحدة كشريك استراتيجي رئيسي للأردن. فالصين شريك اقتصادي واستثماري مهم، والاتحاد الأوروبي شريك تجاري وتنموي، ودول الخليج عمق مالي واقتصادي، فيما تمثل الهند واليابان وغيرها دوائر إضافية للمصلحة. قوة الأردن لا تأتي من استبدال شريك بآخر، بل من بناء شبكة علاقات تقلل الاعتماد المفرط على طرف واحد، وتمنحه مساحة أوسع للحركة، مع الحفاظ على شراكاته الراسخة ومصالحه الاستراتيجية.
ويبقى التحدي الأكبر داخلياً: تحويل الدبلوماسية الاقتصادية إلى نتائج. فالمطلوب بعد الزيارة ليس قائمة أطول من مذكرات التفاهم، بل مشروعات ذات أولوية، لكل منها جهة مسؤولة وجدول زمني ومؤشرات أداء واضحة. ويقاس النجاح بالاستثمار الذي يدخل الاقتصاد فعلياً، والوظائف النوعية، والمكون المحلي، والصادرات الجديدة، والتكنولوجيا التي يجري توطينها. في عالم يزداد تعددية وتنافساً، لا يحمي الأردن مصالحه بتقليص خياراته، بل بحسن إدارتها. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الأردن قادراً على توسيع علاقته مع الصين، بل كيف يحول هذه العلاقة إلى إنتاج وصادرات وتكنولوجيا وفرص عمل، من دون تحمل كلف سياسية أو مالية غير محسوبة. هنا يبدأ النقاش الاقتصادي الحقيقي.