د. محمد رسول الطراونة : طفر وطموح
ليس الطفر أو الفقر نهاية الطريق، بل كلاهما محكٌّ يمتحن فيه المرء صبره، وتتبلور فيه معاني الحياة. قد يكون الإنسان فقيراً أو طفراناً ، مثقلاً بالحرمان، محاطاً بضيق العيش، ولكن ذلك كله لا يسلبه حقه في الحلم، ولا يخمد في صدره جذوة الأمل. فالدنيا لا تمنح الجميع البدايات ذاتها، لكنها تمنحهم جميعاً حرية تشكيل النهايات.
المسافة بين الطفر والطموح تصنعها النفوس العظيمة، فالطفر يضغط الأيام، بينما الطموح يمنح الروح فسحة، فيجعلها ترى وراء الجدران آفاقاً، وخلف التعب غايات. وهنا يتجلى جوهر الإنسان: ليس فيما يملك، بل في قدرته على النهوض حين تثقل كاهله الظروف.
والجميل في الطموح أنه لا ينكر قسوة الواقع، بل يتجاوزها، إنه لا يدعو إلى الأوهام، بل إلى التصلب أمام الصعاب والوفاء للأمل. فمن يعيش الضيق ثم يختار التعلّم والعمل والصبر، فإنه يكتب لنفسه مكانة تليق بعزيمته. الطموح ليس كلمة رنانة، بل موقف يومي، وإيمان راسخ بأن الغد قد يكون أرحب مما يتصور المتعبون.
وقد يكون الطفر مدرسة قاسية، لكنه يمنح النفس من الحكمة ما لا تمنحه الرفاهية؛ فيه يتعلم المرء قيمة القليل، وشرف الاكتفاء، ومعنى أن تكون كرامته أغلى من أن تُشترى. ومن خرج من هذه المدرسة متمسكاً بحلمه، فقد انتصر على أقسى اختبار: أن يبقى كريماً، ثابتاً، مؤمناً بأن الغد قد يحمل ما لم يحمله الأمس.
التاريخ حافل بشهادات لا تُحصى على أن الطفر لم يقف عائقاً أمام العقل الطموح، ففي القرى النائية والأحياء الفقيرة، حيث تنقطع الكهرباء وتشح المصابيح، كان هناك من يضيئون دروبهم بفتيل زيت أو ضوء قمر خافت، يطوون الليل على كتبهم الممزقة، يكدحون في النهار لجمع قوتهم، ويعودون عند الغسق ليحدقوا في سطور النور. أولئك هم الذين حولوا أيديهم الفارغة إلى أدوات بناء، وقلوبهم الموجوعة إلى منارات أمل، منهم من صار طبيباً يداوي المرضى، ومنهم من أصبح مهندساً يشيد المنشآت، ومنهم من ارتقى منصة العلم ليخرج من رحم الطفر، دفعات جديدة من المبدعين، لم يقل أحدهم: "كيف أدرس والطفر يحدق بي؟"، بل قالوا جميعاً: "كيف لا أدرس والطفر ينتظر ثورتي؟".
ولا شيء أعظم ممن يواجه حاجته برأس مرفوع، ويحول حرمانه إلى دافع. إن الذين أدركوا سر الحياة لم ينتظروا تغير الظروف، بل بدأوا بتغيير ذواتهم. الخطوة الصغيرة المتكررة خير من أمنية كبيرة لا تبلغ الفعل، فالطموح الحق لا يطلب المعجزات، بل يبنيها بصبر طويل.
فليكن في القلب متسع للحلم، ولو ضاق الواقع. الطموح لا يلغي الألم، لكنه يمنحه معنى، ولا يمحو التعب، لكنه يرفعه إلى مرتبة الشرف. وفي النهاية، يبقى الإنسان أكبر من فقره حين يصر على أن يكون أكبر من ظروفه، وأسمى من الاستسلام. إن الفقير الذي يتعلم ويجتهد هو في الحقيقة أغنى الناس؛ لأنه يمتلك الإرادة التي لا تلين، والعقل الذي لا يتوقف عن السؤال، والروح التي تأبى إلا أن تحلق.
ختام الكلام ، إلى طلاب العلم الذين تعسرت بهم السبل، وأضناهم الطفر والفقر، وضاقت بهم الدنيا: لا تجعلوا الحاجة قيداً لأحلامكم، ولا تحولوها عذراً للتقاعس، بل اجعلوها حافزاً يدفعكم إلى مضاعفة الجهد، وشحذاً للهمة لا ينضب. أوصيكم بأن تتبنوا طموحاً كبيراً يتجاوز جدران الغرفة الضيقة، ويعلو فوق حسرة العوز؛ فالعلم هو السلاح الأقوى الذي يقلب الموازين، والإرادة هي البوصلة التي لا تخطئ طريق النجاح. تذكروا أن الأمس كان لأسلافكم من قبلكم، وأن الغد ملك لمن يعد له اليوم بجد وإصرار. لا تنتظروا تغير الظروف، بل غيروا أنفسكم، واثبتوا أن الفقر زائل، والعلم باق، وأن الطموح الصادق يهدي إلى حيث تزهو القمم. أنتم ثروة الأمة الحقيقية، وبعلمكم تنهض البلاد، وبعزيمتكم تُكتب النهضة من جديد، فكونوا كالنجوم التي تضيء في أحلك الليالي، ولا ترضوا لأنفسكم إلا أن تكونوا في مقدمة الركب، فالناس بأعمالهم لا بآبائهم، وبهممهم لا بأموالهم.
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق