اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : ريشة سليمان منصور تعلو على كثير من الخطب والكلام

القس سامر عازر : ريشة سليمان منصور تعلو على كثير من الخطب والكلام
أخبارنا :  

القس سامر عازر


بعض الرحيل لا يكون رحيل إنسان فحسب، بل رحيل مرحلة من الذاكرة، ورحيل صوتٍ كان يتكلم بطريقة مختلفة؛ فلا يرفع صوته، ولا يلقي خطابًا، ولا يكتب بيانًا، وإنما يمسك ريشته، ويترك للوحة أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.


هكذا كانت ريشة الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير سليمان منصور؛ ريشة بسيطة في شكلها، لكنها عظيمة في رسالتها، استطاعت أن تخلّد الذاكرة البصرية الفلسطينية، وأن تنقل إلى العالم صورة الإنسان الفلسطيني وأرضه وقريته وزيتونه وقدسه وتراثه، وأن تجعل من اللوحة شاهدًا على تاريخ لم يكن عابرًا، بل جرحًا ما زال مفتوحًا في الذاكرة والوجدان.


رحل سليمان منصور في الرابع والعشرين من آب، عن عمر ناهز التاسعة والسبعين، بعد مسيرة فنية امتدت أكثر من خمسة عقود، ظل خلالها واحدًا من أبرز أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني، وعضوًا مؤسسًا في رابطة الفنانين الفلسطينيين.


لكنني لا أراه اليوم مجرد فنان رحل، بل أراه حارسًا من حراس الذاكرة الفلسطينية؛ فقد أدرك أن الفن ليس ترفًا، وأن الريشة ليست مجرد أداة للرسم، وأن اللوحة يمكن أن تكون وثيقة وشهادة ورسالة وصرخة إنسانية، بل يمكن أن تصبح في بعض اللحظات أقوى من كثير من الخطب والكلمات.


لقد رسم الأرض والمرأة والطفل والقرية والزيتون والثوب الفلسطيني والقدس، وجعل من مفردات الحياة اليومية قاموسًا بصريًا يحفظ هوية شعبٍ يخشى عليه من محاولات المحو والنسيان.


وكانت فلسطين في لوحاته ليست مجرد جغرافيا، بل إنسانًا متجذرًا في أرضه، وذاكرةً لا تموت، وهويةً لا تُمحى، وقدسًا تسكن القلب قبل أن تسكن المكان.


ولعل أشهر ما تركه لنا سليمان منصور لوحة «جمل المحامل»؛ تلك اللوحة التي تجاوزت حدود الفن لتصبح أيقونة شعبية ووطنية، واختزلت في رجلٍ أنهكته الحياة وهو يحمل على ظهره القدس والوطن والذاكرة. وقد تحولت اللوحة منذ سبعينيات القرن الماضي إلى صورة حاضرة في الوجدان الفلسطيني والعربي، حتى غدت رمزًا لشعب يحمل أوجاعه وآماله ويمضي.


ذلك الرجل المنحني الظهر، المتعب الملامح، الحافي القدمين، لا يبدو في اللوحة مهزومًا، بل يبدو وكأنه يقول للعالم: قد أثقلني الحمل، لكنني لم أسقط؛ وقد طال الطريق، لكنني ما زلت أمشي.


وفي تقديري، هنا تكمن عبقرية سليمان منصور؛ فقد استطاع أن يحوّل المعاناة إلى صورة، والصورة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية، والهوية إلى رسالة لا يستطيع الزمن اقتلاعها.


وليس غريبًا أن تكون الأرض حاضرة بهذا العمق في تجربته، فهو لم يتعامل معها كموضوع فني بعيد، بل كجزء من الإنسان نفسه. ولذلك استعان في أعماله بخامات من البيئة الفلسطينية، ومنها الطين وغيرها من المواد المحلية، وكأن الأرض نفسها كانت تدخل إلى اللوحة لتشهد على أصحابها. وقد أسهم ذلك في بناء لغة فنية فلسطينية تستمد قوتها من المكان والإنسان والذاكرة.


إن ريشة سليمان منصور كانت ريشة مقدسة بالمعنى الإنساني للكلمة؛ لأنها حملت وجع فلسطين، ووجع القدس، ووجع المرأة والطفل، ووجع الأرض والمقدسات. كانت تصرخ دون أن تصرخ، وتبكي دون دموع، وتقول للعالم إن وراء كل صورة إنسانًا له قصة، وأرضًا لها تاريخ، وذاكرة لها حق في أن تُسمع.


لقد غادر سليمان منصور، لكن ريشته لم تغادر.

فاللوحة التي رسمها لم تعد ملكًا له وحده؛ أصبحت ملكًا للذاكرة الفلسطينية، وملكًا لكل من رأى فيها قصة إنسان يحمل وطنًا على ظهره ويمضي.

«جمل المحامل» ما زال يمشي.

وما زالت القدس على ظهره.

وما زال الإنسان الفلسطيني يحمل شيئًا من ذلك الحمل، لكنه يحمل معه أيضًا شيئًا آخر: الأمل، والكرامة، والتشبث بالأرض، والإيمان بأن الحق لا يموت بموت أصحابه.

رحلت يا سليمان، لكنك لم ترحل من الذاكرة الفلسطينية ولا من الذاكرة العربية والإنسانية؛ لأن ريشةً مثلك لا تُدفن مع صاحبها.

لقد خططت بريشتك حروفًا تقرؤها القلوب قبل العيون، وحفرت في الذاكرة البصرية ما لا يستطيع الزمن محوه.


وهذا هو الفن الراقي عندما يكون صادقًا: لا يكتفي بأن يكون جميلًا، بل يصبح شاهدًا، ورسالة، وضميرًا، وحارسًا للإنسان وحقوقه وكرامته.


وما أحوج عالمنا اليوم إلى هذا الفن؛ فنٍ لا يزيد الكراهية، بل يكشف الألم؛ لا يزرع اليأس، بل يحفظ الرجاء؛ لا يكتفي بوصف الجرح، بل يذكّر بأن الطريق إلى السلام الحقيقي لا يكون بتجاهل الألم، وإنما بإحقاق الحق وإقامة العدل وصون كرامة الإنسان.


لقد رحلت يا سليمان منصور، وبقيت ريشتك تقول لنا إن الكلمة قد تُنسى، والخطبة قد تنتهي، والبيان قد يُطوى، أما الصورة الصادقة التي تسكن الوجدان فقد تعيش أجيالًا.


رحم الله الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور، حارس الذاكرة البصرية الفلسطينية، وألهم أسرته ومحبيه وتلاميذه والشعب الفلسطيني جميل الصبر والسلوان.


وداعًا سليمان منصور...

وداعًا للفنان والإنسان وحارس الذاكرة.

وسيظل «جمل المحامل» يمشي...

يمشي مثقلًا بحمل القدس والوطن والذاكرة، لكنه لا يسقط.

وكأن ريشة سليمان منصور تقول لنا إلى الأبد:

قد يثقل الحمل، وقد يطول الطريق، لكن صاحب الحق لا يتوقف عن المسير.


مواضيع قد تهمك