الصبيحي : مولد الهدى.. وانبثاق مواثيق الحماية والعدالة الاجتماعية
تتجلى ذكرى مولد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كأهم حدث مفصلي في تاريخ البشرية، كانت له انعكاساته الكبرى على صعيد التكافل الاجتماعي الإنساني؛ فلم تكن الدولة التي أرست دعائمها النبوة الشريفة مجرد كيان سياسي، بل كانت العقد الاجتماعي الأول الذي جعل "الأمان" حقاً مكفولاً لكل إنسان، وسياجاً يحمي الضعيف قبل القوي، مصداقاً للتشريع الإلهي الذي حدد أركان الحماية الاجتماعية في قوله تعالى: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ).
لقد وضع الرسول الأعظم اللبنات الأساسية لما نعرفه اليوم بالمبادئ التأمينية والضمان الاجتماعي، مُجسِّداً ذلك في أسمى صورة نبوية حين قال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، عبر ركائز راسخة شملت:
١) المؤاخاة ووثيقة المدينة: إرساء أول وثيقة للتضامن الاجتماعي الجماعي وتوزيع المخاطر، حيث ألزمت المجتمع بمسؤولية التكافل والتغريم المشترك، وحولت الفرد من مواجه منفرد للأزمات إلى جزء من منظومة حماية شاملة.
٢) الأمان الاجتماعي للفئات الهشة: تحويل رعاية كبار السن، والأرامل، واليتامى، والضعفاء من مجرد إحسان فردي إلى واجب أساسي من واجبات الدولة، وعبادة يتفاضل بها الناس، مما أسس لأول شبكة أمان اجتماعي تكفل الكرامة للجميع.
٣) العدالة وسيادة القانون: تطبيق تشريعات حاسمة تسري على جميع أفراد المجتمع دون تمييز أو محاباة، حيث تكافأت الدماء والأموال، وشعر كل قطين بالإنصاف والعدالة المطلقة.
٤) إعادة توزيع الثروة بعدالة: جعل الحقوق المالية كالزكاة والكفالات أداة اقتصادية لردم الفجوة بين الطبقات، ودعم الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع.
إن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف هو استحضار حي لنموذج فريد في التضامن الإنساني والعدالة الاجتماعية، يؤكد أن استقرار المجتمعات وقوتها لا يقاسان بحجم ثرواتها، بل بمستوى الحماية والكرامة التي توفرها لأضعف أبنائها.
من هنا دعونا نستفيد من ذكرى مولد نبي الرحمة ونترجم تعاليمه ومبادىء الدولة التي أرسى دعائمها، فنتعامل، كمؤسسة ضمان اجتماعي، مع الفئة الأضعف من متقاعدي الضمان الذين تتراوح رواتبهم الإجمالية ما بين 200 إلى 250 ديناراً بمنظور الرعاية والمسؤولية بموجب القانون، لا منّةً ولا صدقة، فنرفع الحد الأدنى لراتب التقاعد وفقاً للمادة 89/أ من قانون الضمان لنضمن لهذه الفئة حياة كريمة ومعيشة لائقة.
(سلسلة توعوية تنويرية اجتهادية تطوعيّة تعالج موضوعات الضمان والحماية الاجتماعية، وتبقى التشريعات هي الأساس والمرجع- يُسمَح بنقلها ومشاركتها أو الاقتباس منها لأغراض التوعية والبحث مع الإشارة للمصدر).
خبير التأمينات والحماية الاجتماعية
الحقوقي/ موسى الصبيحي