بوابة لمواءمة التعليم مع اقتصاد المستقبل
عمان - دينا سليمان
يكمن النجاح الحقيقي لأي قانون أو تشريع في قدرته على إحداث الفرق الملموس، وليس بأهدافه وبنوده المعلنة. ويبرز هنا مشروع قانون هيئة الاعتماد وضمان الجودة لسنة 2026 الذي أقره مجلس النواب قبل أيام، والذي جاء ليُعيد تعريف مفهوم الاعتماد والجودة في التعليم عبر المواءمة الفعلية ما بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل انسجاما مع مسارات تحديث القطاع العام، بعيداً عن الثقافة المرتبطة بأنها شهادات تُعلّق على الجدران.
الخبير في شؤون التعليم فيصل تايه يرى أن مشروع القانون يأتي باعتباره محاولة جادة من الدولة للانتقال بملف التعليم والتدريب من مرحلة إدارة الإجراءات التنظيمية إلى مرحلة بناء منظومة تستند إلى معايير واضحة للقياس والتقييم والتحسين المستمر، وتعيد تعريف العلاقة بين المؤسسة التعليمية ومخرجاتها واحتياجات المجتمع وسوق العمل.
وقال الخبير لـ «الدستور» إن المشروع ليس مجرد تعديل تشريعي يوسع صلاحيات هيئة قائمة أو يعيد ترتيب الاختصاصات بين الجهات المعنية، بل يعكس توجهاً أوسع لإعادة النظر في مفهوم الجودة التعليمية باعتبارها قضية وطنية ترتبط ببناء الإنسان، وتعزيز قدرة الدولة على المنافسة، وإعداد الكفاءات التي يحتاجها الاقتصاد في المرحلة المقبلة.
وفي ظل التحولات المعرفية والتكنولوجية المتسارعة، لم تعد جودة التعليم تُقاس بعدد المؤسسات التعليمية أو أعداد الخريجين بحسب تايه، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وبناء المهارات، وإعداد كفاءات تمتلك المرونة اللازمة للتكيف مع اقتصاد جديد تقوده التكنولوجيا والابتكار والتعلم المستمر.
ووفق الخبير فإن أهمية مشروع القانون تكمن في سعيه إلى توحيد المرجعية الوطنية للاعتماد وضمان الجودة لتشمل مختلف مستويات التعليم والتدريب، بدءاً من رياض الأطفال والتعليم العام، مروراً بالتعليم العالي، وصولاً إلى مؤسسات التعليم والتدريب المهني والتقني، لأن الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد لا يمكن معالجتها من خلال مرحلة واحدة.
ويرى تايه أن النجاح الحقيقي للمشروع لا يقاس بعدد المؤسسات التي تحصل على الاعتماد، بل بمدى تحسن التعليم نفسه، وما إن كان الطالب أصبح يمتلك مهارات أفضل، والخريج أكثر قدرة على المنافسة، والمؤسسات التعليمية أكثر ارتباطاً بحاجات المجتمع وسوق العمل.
وأشار تايه إلى أن منح الهيئة صلاحيات أوسع في اعتماد المؤسسات التعليمية، وضمان جودة البرامج، والاعتراف بالمؤسسات التعليمية غير الأردنية، ومعادلة الشهادات والمؤهلات، يضع أمامها مسؤولية كبيرة في حماية سمعة التعليم الأردني وتعزيز الثقة بمخرجاته محلياً ودولياً، الأمر الذي يتطلب أعلى درجات الحوكمة والاستقلالية والشفافية.
أما تطبيق معايير الجودة فيجب ألا يكون أداة رقابية فقط، بل مشروع تطوير وتمكين، إذ إن المؤسسات التعليمية تختلف في إمكاناتها وظروفها، ولذلك فإن نجاح القانون يحتاج إلى برامج دعم تساعد المؤسسات على الوصول إلى المعايير المطلوبة، لا أن تكتفي بتصنيفها بين قوي وضعيف، بحسب تايه.
وشدد على أن الارتباط بسوق العمل يبقى الاختبار الأكثر أهمية، موضحا أن مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد هدف تكرر في العديد من الخطط الوطنية، لكن التحدي كان دائماً في الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.
وأكد تايه أن بناء منظومة جودة حقيقية يتطلب كذلك شراكة مستدامة مع القطاع الخاص، بحيث يشارك في تحديد المهارات المطلوبة وتطوير البرامج التعليمية والتدريبية، لأن سوق العمل هو المعيار النهائي لفاعلية أي نظام تعليمي.
وختم الخبير حديثه بأنه إذا استطاع الأردن تحويل هذا المشروع من قانون ينظم الاعتماد إلى منظومة وطنية تقيس جودة التعليم بأثرها الحقيقي، فإنه لن يكون مجرد إضافة جديدة إلى سجل التشريعات التعليمية، بل سيكون خطوة استراتيجية في بناء الإنسان الأردني القادر على المنافسة، ودعم اقتصاد أكثر جاهزية للمستقبل.
ــ الدستور