اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

حسام عايش : تركيبة الائتمان

حسام عايش : تركيبة الائتمان
أخبارنا :  

تكشف بيانات التسهيلات المصرفية للنصف الاول من 2026، عن صورة رقمية ايجابية بنموها بنسة 4.7 % عن الفترة المقابلة من 2025، وتشكيلها نحو 72.5 % من اجمالي ودائع القطاع المصرفي البالغة 51 مليار دينار.

لكن الارقام والنسب هذه، لا تكفي وحدها للحكم على مدى مساهمة الائتمان المصرفي في تحريك الاقتصاد، وإن اظهرت أن الاشكالية الاقتصادية لا تبدو مرتبطة بندرة الاموال- فحجم التسهيلات المقدمة للقطاعات كبير مع استحواذ القطاع الخاص المقيم وغير المقيم على نحو 32.7 مليار دينار، اي قرابة 88% من اجمالي التسهيلات - وانما بقدرة الاقتصاد على ايجاد فرص استثمارية قابلة للتمويل، وبكلفة التمويل والمخاطر التي تحكم قرارات البنوك والمستثمرين معا.

وبالتالي فهي لا تقدم الصورة كاملة عن دور التسهيلات في العملية الاقتصادية الانتاجية، حيث السؤال الاهم ليس فقط من يحصل على التمويل، بل في ماذا يستخدم هذا التمويل؟.

فهذا التوزيع الائتماني المتمثل بالقروض الشخصية وتمويل المركبات والسلع الاستهلاكية وشراء الاسهم، الذي حل اولا بحجم تسهيلات 8.9 مليار دينار ونسبة 24 % تقريبا من الاجمالي، وتمويل قطاع الانشاءات الذي جاء ثانيا بنحو 8 مليارات دينار ونسبة 21.6 % من الاجمالي، وتمويل القطاع العام بنحو 4.4 مليار دينار شكلت 12% تقريبا من اجمالي التسهيلات، وبطاقات الائتمان بقيمة 468 مليون دينار شكلت نحو 1.3% من الاجمالي..

اقول هذا التوزيع بحاجة لقراءة اقتصادية، لان زيادة الائتمان، او ارتفاع نصيب القطاعات منها، لا يعني احداث اثر متساو مع النسبة او الحصة منها على الاقتصاد، فالدينار الذي يمول مشروعا انتاجيا جديدا، او مصنعا، او شركة تصديرية، او مشروعا تكنولوجيا، او شركة ريادية، قد يولد دخلا وفرص عمل وصادرات وقيمة مضافة لسنوات، مقابل اثر اقتصادي اقل او موضعي وحتى سلبي لدينار يوجه لتمويل الاستهلاك او شراء سلعة مستوردة.

ما يعني ان الدلالة الائتمانية الاكثر اهمية ليس بالضرورة نمو التسهيلات بنسبة 4.7 %، او حجم التسهيلات لهذا القطاع او ذاك، وانما نوعية النمو الذي تولده تلك التسهيلات والعائد منها، فقد يرتفع الاقراض من دون ان ينعكس بالقدر نفسه على النمو الاقتصادي وبالاخص اذا تركزت الزيادة في القروض الشخصية والاستهلاكية او القطاعات ذات الاثر المحدود على الانتاج والتشغيل.

وفي المقابل، يمكن لنمو اقل في التسهيلات او في الحجم، ان يحقق اثرا اقتصاديا اكبر اذا توجه نحو الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا والمشاريع الصغيرة والمتوسطة والقطاعات القادرة على التصدير واحلال المستوردات وتشغيل الايدي العاملة.

هنا تظهر اهمية تكامل السياسات المالية والنقدية والاقتصادية مع الاحتياجات الاستثمارية، فالبنوك تستطيع توفير التمويل، لكن قرار الاستثمار لا يصنع داخل البنك وحده، فالمستثمر يحتاج الى طلب قوي في السوق، واستقرار تشريعي طويل، ووضوح في السياسات، وكلف انتاج تنافسية، وفرص تصدير، وبنية تحتية مناسبة، وثقة بان استثماره اليوم سيكون قادرا على النمو غدا.

لذلك، فتوفر الودائع او زيادتها دون بيئة استثمارية تشريعية مالية قادرة على استيعابها زي قلتها، لانه سيبقي جزءا مهما منها بعيدا عن الاستثمار المنتج، وبالتالي توجهه نحو الاستخدامات الاقل مخاطرة والاسرع عائدا، دون ان يعني ذلك ابدا التقليل من اهمية التمويل الشخصي او العقاري، فهما يحركان الطلب، ويدعمان قطاعات واسعة من الاقتصاد، وبالذات قطاع الانشاءات الذي يرتبط بعشرات الانشطة والمهن ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.

وعليه، فالاقتصاد الذي يسعى الى رفع معدلات نموه بصورة مستدامة، يحتاج الى زيادة حصة الائتمان الذي يوفر طاقات انتاجية جديدة، وليس فقط الائتمان الذي يمول الطلب على ما هو موجود اصلا.

ولعل التحدي، لم يعد كيفية زيادة حجم الائتمان، بل كيفية تحسين تركيبته، ما يستدعي تصميم سياسات تسهل تمويل المشاريع الانتاجية والصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة والابتكار والتكنولوجيا والصادرات، لتكون اكثر جاذبية واقل مخاطرة للقطاع المصرفي، من خلال ادوات ضمان التمويل، وتحسين البيئة الاستثمارية، وتطوير راس المال المخاطر، وتوسيع برامج ضمان القروض، وربط الحوافز الاقتصادية بقدرة المشاريع على التشغيل والتصدير وايجاد القيمة المضافة.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك