القس سامر عازر : الأردن هو الأقرب لفلسطين، جغرافيا أم ماذا؟
حين يُقال إن الأردن هو الأقرب إلى فلسطين، فإن الجغرافيا ليست سوى أول فصول الحكاية، أما بقيتها فتكتبها الذاكرة المشتركة، ووحدة المصير، ووشائج الدم، وعمق التاريخ، ونبض الضمير العربي. فالقرب الحقيقي لا يُقاس بالكيلومترات، بل بما يسكن القلوب من انتماء، وما تحمله المواقف من مسؤولية، وما تصنعه التضحيات من أخوّة لا تنفصم عراها، فتضحيات الأردنيين في فلسطين من شتى العشائر الأردنية الأصيلة لا تعد ولا تحصى.
فما الذي يربط الأردن بفلسطين؟ أهي الجغرافيا وحدها؟ أم أن العلاقة أعمق من حدودٍ متجاورة، لتغدو رابطةً سكانية، وروحية، وسياسية، ووطنية، وقومية، وإنسانية؟ والجواب واضح لكل من يعرف تاريخ البلدين؛ فالأردن وفلسطين يشكلان امتدادًا طبيعيًا في التاريخ والهوية والثقافة، وتجمعهما ذاكرة واحدة، وعائلات واحدة، وآمال واحدة، وأوجاع واحدة.
لا يمكن أن تكون أردنيًا صادق الانتماء دون أن تكون فلسطين حاضرةً في الوجدان، فهي ليست قضية خارجية، ولا شأنًا سياسيًا بعيدًا، بل قضية ضمير، وعدالة، وكرامة، وقضية أمة بأسرها. ولذلك ظل عشق فلسطين متغلغلًا في القلب والشرايين، لأن فلسطين ليست مجرد أرض، بل هي تاريخ ورسالة وهوية، ولأن القدس هي القلب النابض لهذه القضية.
وللقدس مكانة لا تضاهيها مدينة أخرى في العالم. فهي مدينة الأنبياء، وملتقى الرسالات السماوية، وفيها المسجد الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وفيها كنيسة القيامة التي تشهد لقيامة السيد المسيح، ومنها انطلقت رسائل الإيمان والرجاء إلى الإنسانية جمعاء. لذلك فإن الدفاع عن القدس ليس دفاعًا عن حجارةٍ أو مبانٍ، بل عن التراث الإنساني، وعن حرية العبادة، وعن الحق في صون المقدسات الإسلامية والمسيحية، وعن مدينة أرادها الله أن تكون مدينة سلام.
وليس من قبيل المصادفة أن تكون الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس إحدى الركائز الأساسية في حماية هوية المدينة المقدسة ورسالتها. فهذا الارتباط الهاشمي ليس ارتباطًا سياسيًا طارئًا، بل هو ارتباط عضوي وتاريخي متجذر، حمل الهاشميون أمانته جيلاً بعد جيل، إيمانًا بأن القدس ليست ملكًا لجيلٍ بعينه، بل إرثٌ حضاري وديني وإنساني للأمة وللعالم.
ومن هنا، لم يدخر الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظّم، أي جهد سياسي أو دبلوماسي أو قانوني أو إنساني في سبيل الحفاظ على عروبة القدس، وصون مقدساتها الإسلامية والمسيحية، وحماية الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها، ودعم صمود المقدسيين، ومساندة الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه المشروعة، وصولًا إلى حل عادل وشامل يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على ترابها الوطني، وعاصمتها القدس الشرقية، بما يحقق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة.
وما المؤتمر الوزاري الذي انعقد يوم الأربعاء الموافق الخامس من آب ٢٠٢٦ إلا شاهد جديد على استمرار الحراك الأردني الفاعل لتوحيد المواقف العربية والدولية، والتنبيه إلى المخاطر المحدقة بمدينة القدس ومقدساتها، والتواصل مع مختلف الأطراف ذات العلاقة، تأكيدًا على أن القدس ليست شأنًا محليًا، بل قضية دولية تمس التراث الإنساني وحرية العبادة وكرامة الإنسان.
إن القدس يجب أن تبقى مدينةً مفتوحةً للجميع، يؤمها المؤمنون من كل مكان، دون إقصاء أو تمييز، لتظل رمزًا للوئام الديني، والعيش المشترك، والاحترام المتبادل، وبناء السلام العادل. فالسلام الحقيقي لا يُبنى بالقوة، ولا تُشيّده الجدران والأسلاك الشائكة، بل تؤسسه العدالة، وتصونه الكرامة الإنسانية، وتحرسه الإرادة الصادقة في الاعتراف بحقوق جميع الشعوب.
لقد أدرك الأردن، منذ نشأته، أن حماية القدس ليست واجبًا سياسيًا فحسب، بل رسالة دينية وروحية وحضارية وأخلاقية، ولذلك ظل يحمل هذه الأمانة بثبات ومسؤولية، مستندًا إلى إرثه الهاشمي، وإلى مكانته العربية والإسلامية، وإلى إيمانه بأن المدينة المقدسة يجب أن تبقى فضاءً جامعًا للديانات التوحيدية، وجسرًا للحوار بين الحضارات، لا ساحةً للصراع والكراهية.
ويقول المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد: "القدس ليست مجرد مكان، بل هي ذاكرة وهوية وعدالة." وهي عبارة تختصر حقيقة المدينة التي لا يمكن اختزالها في حدود الجغرافيا، لأنها تسكن وجدان الشعوب قبل خرائط الأرض.
أما المفكر الفرنسي روجيه غارودي فيقول: "السلام الحقيقي لا يولد من القوة، بل من الاعتراف بحقوق الإنسان وكرامته." وهي حكمة تتجلى في القدس أكثر من أي مكان آخر، إذ لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة دون احترام المقدسات وصون حقوق الإنسان.
ويقول الأديب الكبير جبران خليل جبران: "ويلٌ لأمةٍ تكثر فيها الطوائف ويقل فيها الدين." فالقدس أحوج ما تكون إلى إيمان يجمع ولا يفرّق، وإلى قيم المحبة والرحمة التي جاءت بها الرسالات السماوية جميعًا.
وقد عبّر جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين عن جوهر هذه المسؤولية الوطنية والقومية بقوله: "القدس مفتاح السلام." وهي كلمات تختصر حقيقة أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون الحفاظ على هوية القدس، وصون مقدساتها الإسلامية والمسيحية، واحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها. كما يؤكد جلالته باستمرار أن الوصاية الهاشمية أمانة تاريخية سيواصل الأردن الاضطلاع بها دفاعًا عن المقدسات، وحفاظًا على هوية المدينة، وخدمةً للسلام العادل.
وسيظل الأردن الأقرب إلى فلسطين، لا لأنه يجاورها جغرافيًا فحسب، بل لأنه يحملها في وجدانه، ويدافع عنها في مواقفه، ويؤمن بأن القدس هي مدينة الله والإنسان، ومدينة الصلاة والسلام، وأنها يجب أن تبقى مفتوحةً أمام الجميع، ورمزًا للتلاقي والوئام الديني والعيش المشترك.
فالقدس ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ولا قضية الأردنيين وحدهم، بل هي قضية العرب جميعًا، وضمير الإنسانية بأسرها. وستبقى الوصاية الهاشمية عنوانًا للأمانة التاريخية، وسيبقى الأردن، قيادةً وشعبًا، وفيًا لعهد القدس، مدافعًا عن عروبتها، وحاميًا لمقدساتها الإسلامية والمسيحية، حتى تنعم المدينة المقدسة بالسلام العادل الذي يصون الحق، ويحفظ الكرامة، ويعيد للقدس رسالتها الخالدة كمدينةٍ للرجاء، وملتقىً للمؤمنين، ومنارةٍ للسلام بين الشعوب.