اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

نضال منصور : خطة السلام في غزّة... الحلم المستحيل

نضال منصور : خطة السلام في غزّة... الحلم المستحيل
أخبارنا :  

دخل وقف إطلاق النار في غزّة حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025. وكان المشهد هناك يستأثر بالاهتمام الدولي منذ اندلاع حرب الإبادة التي شنّتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي. لكنّ الاهتمام الإنساني بغزّة اختفى من الرادار مع اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وتبخّرت، مع قصف الصواريخ والمسيّرات، الرهاناتُ على أن تجد غزّة نافذةً للفرج أو فسحةً لأهلها ليتنسّموا هواءً لا يلوّثه هدير الطائرات. وبدا أنّ غزّة هي الخاسر الأوّل من كلّ ما يجري من تطوّرات.


تمثّل خطّة مجلس السلام، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، اختباراً حقيقياً لسلام هشّ، ولمستقبل غامض في غزّة


عادت بارقة الأمل مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أيّام، "خطّة مجلس السلام" لإنهاء الحرب في غزّة أو ما أُطلق عليه "خريطة الطريق" لتنفيذ الالتزامات التي كانت جزءاً لا يتجزّأ من اتّفاق وقف إطلاق النار. ولا يزال التراشق الإعلامي بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) مشتعلاً حول تفاصيلها، وتتمثّل العقدة الأساسية في نزع السلاح أو حصره. فإسرائيل لديها شروطها وما تقوله من لاءات، وفي مقدّمتها عدم الانسحاب إلى ما وراء الخطّ الأصفر قبل الانتهاء من نزع السلاحَين الخفيف والثقيل، وتدمير الأنفاق، ووجود جهة إشراف دولية تتحقّق من تنفيذ ذلك، مع الحفاظ على "حقّها" في عمل عسكري إذا رأت تهديداً مستقبلياً. وفي المقابل، تصرّ "حماس" على أن يقترن نزع السلاح بانسحاب إسرائيلي تدريجي ومتزامن معه.

يُقال إنّ الشيطان يكمن في التفاصيل، وعادة ما تستثمر إسرائيل في الهوامش والتفاصيل، وتراوغ فيها، وتجعل من كلّ قضية مناورةً طويلةً ومملّةً. والشواهد على ذلك كثيرة، أبرزها مرور عقود على اتفاق أوسلو (1993)، فيما كانت النتيجة احتلالاً يتوسّع، وتحوّل آمال إقامة الدولة الفلسطينية إلى حلم مستحيل. وهنا ربما لا يكون الاتّفاق في خطر الانهيار، فالإطار السياسي قائم، لكنّ الخلاف حول آليات التنفيذ مستمرّ، وهو أمر لا يزعج الاحتلال وطالما كان قادراً (خلال الأشهر العشرة الماضية) على توجيه الضربات العسكرية متى شاء، ومواصلة عمليات اغتيال قادة "حماس" وكأنّ شيئاً لم يكن.

يتكون الإطار العام لخريطة الطريق، التي يتحدّث عنها مجلس السلام في غزّة، من سبعة بنود أساسية، يتقدّمها وقف الحرب بصورة دائمة، وانسحاب إسرائيلي تدريجي وفق جدول زمني، ونقل إدارة قطاع غزّة إلى لجنة وطنية انتقالية تتولّى الإشراف على الشؤون المدنية والأمنية، والإشراف على إعادة الإعمار، والسماح بدخول مواد البناء والمساعدات الإنسانية إلى القطاع.

أمّا البند الأهم، فهو نزع السلاح أو حصره تحت شعار "سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد داخل غزّة". ويقتضي ذلك أن توقف جميع الفصائل الفلسطينية أنشطتها العسكرية، واقتصار حمل السلاح على الجهات الأمنية المخوّلة من الإدارة الجديدة.

ويتطلب تحقيق هذا الهدف إنهاء الدور الحكومي والأمني لحركة حماس بشكل كامل، فلا تمارس سلطتيها المدنية والعسكرية، مع دخول قوات دولية للمساعدة في تنفيذ الاتفاق وضمان الالتزام به.

الجدل مستمرّ، فيما تفيد الأنباء الموثوقة بأنّ وثيقة خطّة السلام تتألّف من 12 نقطة رئيسة مرتبطة بجدول زمني مقسّم بين خمس مراحل. والواقع أنّ الخطّة، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، تمثّل اختباراً حقيقياً لسلام هشّ، ولمستقبل غامض في غزّة.

وتبقى الأسئلة الإشكالية مطروحة بشأن فرص نجاح خريطة الطريق، وفي مقدّمتها: هل ستلتزم إسرائيل بالانسحاب، خاصّة مع اقتراب موعد انتخاباتها؟ ومن سيشرف عملياً على جمع السلاح، وما الآليات الكفيلة بتحقيق ذلك؟ وهل ستقبل جميع الفصائل الفلسطينية بالترتيبات المدنية والأمنية المقبلة؟ ومن سيموّل إعادة إعمار غزّة إذا مضى الاتفاق قدماً؟ وهل تستطيع القوّة الدولية تنفيذ مهامها من دون تفويض أممي واسع؟... ترى التقارير الدولية ومراكز الدراسات والأبحاث أنّ تفاصيل الاتّفاق قد تعيد رسم ملامح جديدة للشرق الأوسط، خاصّةً إذا ارتبطت بالمفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران للتوصّل إلى اتفاق جديد. ولذلك، ثمّة حبل سُرّي لا يمكن إغفاله بين الانفراجة التي حدثت في غزّة بعد الحرب على إيران والرغبة الأميركية في منع تحوّل المنطقة إلى ساحة نزاع مفتوح، وهو ما دفع واشنطن إلى ممارسة ضغوط لتحقيق تقدّم في ملفّ غزّة، كما أنّ قدرة إيران على دعم حلفائها الإقليميين تراجعت بعد أشهر من الحرب التي رافقها استنزاف عسكري واقتصادي.


تبدو فرص السلام ووقف الحرب صفريةً حين نرى خطاب التشدّد والتطرّف يجتاح المجتمع الإسرائيلي


خارج إطار الاتفاق، يبرز استحقاقان سيتأثّران به، كما سيؤثّران في المشهد وآليات إنفاذ خطّة السلام. أولهما الانتخابات الإسرائيلية في شهر أكتوبر المقبل. وثانيهما الانتخابات الفلسطينية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ففي تل أبيب يُطرح السؤال: هل يستطيع نتنياهو توظيف هذا الاتّفاق باعتباره نصراً حاسماً له، أم سيُظهر عجزه وتخبّطه بعد سنوات من الحرب، فيما لا تزال "حماس" قادرةً على التفاوض والرفض؟ وفي الجبهة الفلسطينية، كيف ستسوّق حركة فتح والسلطة الفلسطينية هذا الاتفاق؟ هل ستسوّقه انتصاراً لنهجها، ودليلاً على قدرتها التفاوضية وعلى أنّها المرجعية الشرعية الوحيدة، أم أنّ "حماس" ستسحب البساط من تحت أقدام السلطة عندما تقول، بصوت عالٍ، للجمهور الفلسطيني: نحن لم نستسلم، وأجبرنا إسرائيل على وقف الحرب، وما زلنا نتفاوض، وسنعيد إعمار غزّة؟

ما نتحدث عنه كلّه من تداعيات يبقى، حتّى الآن، في إطار الافتراضات، لأنّ آليات تنفيذ الاتّفاق لا تزال مدار جدل، وفرص المضي في مسار وقف الحرب والتقدّم نحو السلام تبدو صفريةً حين نرى خطاب التشدّد والتطرّف يجتاح المجتمع الإسرائيلي، ويصبح الدم الفلسطيني مطلوباً ووقوداً في الحملات الانتخابية المتّقدة في تل أبيب.

ــ العربي الجديد


مواضيع قد تهمك