أ. د. مصطفى محمد عيروط : ما بعد إقرار قانون التربية والتعليم و تنمية الموارد البشريه والجامعات ؟
بعد إقرار قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لعام 2026، وما رافقه من إعادة تنظيم شاملة لمنظومة التعليم العام والعالي ، وكذلك التوجهات والتعديلات الجديدة في قانون الجامعات الأردنية، فإننا أمام مرحلة مفصلية تتطلب دراسات ميدانية حقيقية، وشفافية في التقييم، واستماعاً واسعاً للمعلمين والطلبة وأولياء الأمور وأعضاء هيئة التدريس والإدارات الجامعية وأصحاب العمل والمجتمع.
فالحكومة أعلنت أن الهدف من المنظومة الجديدة هو توحيد المرجعيات، ورفع جودة التعليم، وربط مخرجاته بسوق العمل، وتعزيز التعليم المهني والتقني، وتنمية الموارد البشرية. وهذه أهداف مهمة، لكن السؤال الأهم هو: كيف سنتأكد أن هذه الأهداف تحققت على أرض الواقع؟
إن المرحلة المقبلة لا تحتمل القرارات المبنية على الانطباعات، ولا الإصلاح من أجل الإصلاح، وإنما تحتاج إلى مؤشرات أداء واضحة، ودراسات قبل القرار وبعده، وتقييم دوري للنتائج.
أولاً: هل دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي مفيد؟ وما الفائدة التي تحققت؟
الدمج قد يحقق توحيداً للسياسات وتقليل التداخل في المرجعيات وربط مراحل التعليم ببعضها، وهذا ما استندت إليه فلسفة القانون الجديد.
لكن السؤال العلمي ليس: هل الدمج جيد أم سيئ؟
السؤال هو: ما النتائج التي سيحققها الدمج؟
هل سيقلل النفقات؟
هل سيُسرّع اتخاذ القرار؟
هل سيحسن نوعية التعليم؟
هل سيقلل البيروقراطية؟
هل سيعزز التنسيق بين التعليم العام والعالي والمهني؟
وهل سيعطي الجامعات استقلالية أكبر فعلاً؟
فالوزارة الجديدة أصبحت مسؤولة عن منظومة واسعة تمتد من الطفولة المبكرة والتعليم الأساسي والثانوي إلى التعليم العالي والتعليم والتدريب المهني والتقني.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل تستطيع وزارة واحدة إدارة كل هذه الملفات بكفاءة، أم أن النجاح يتطلب هيكلاً مؤسسياً شديد الوضوح وتفويضاً واسعاً للصلاحيات؟
ثانياً: هل سيستمر الدمج مع اتساع مسؤوليات التعليم؟
التعليم العام نفسه يتوسع، والتعليم المبكر ورياض الأطفال أصبحا جزءاً مهماً من المنظومة، والتعليم الأساسي والثانوي له احتياجاته، والتعليم المهني والتقني له متطلباته، والتعليم العالي والبحث العلمي والجامعات له خصوصيته.
لذلك فإن القضية ليست في اسم الوزارة، وإنما في قدرتها على الإدارة والتخصص والسرعة والمساءلة.
قد يكون الدمج ناجحاً إذا أدى إلى تكامل حقيقي، وقد يتحول إلى عبء إذا أصبح مجرد تجميع إداري لمؤسسات وملفات ضخمة.
ثالثاً: هل نغيّر قوانين التعليم المهني أم نغيّر قناعات المجتمع؟
هذه من أهم القضايا.
هل يمكن أن نوجه الطلبة إلى التعليم المهني والتقني بمجرد تعديل القوانين والأنظمة؟
أم أن النجاح الحقيقي يحتاج إلى الإقناع، والتوجيه المهني المبكر، والقدوة، وإبراز قصص النجاح، وربط التعليم المهني بفرص العمل والدخل والكرامة المهنية؟
الطالب والأسرة يحتاجان إلى أن يريا مستقبلاً واضحاً أمامهما.
إذا كان المجتمع لا يزال ينظر إلى بعض المسارات المهنية باعتبارها أقل مكانة من المسار الأكاديمي، فإن تغيير القانون وحده لن يغير الثقافة.
رابعاً: أين وصل مشروع "بيتك"؟
من حق المواطن أن يعرف: هل نجح المشروع؟ وما نسبة النجاح؟ وكم طالباً استفاد؟ وما النتائج التعليمية التي تحققت؟
نحتاج إلى تقييم مستقل وشفاف، لا إلى وصف المشروع بالنجاح أو الفشل دون أرقام.
خامساً: هل نجحت المنصات التعليمية أم أضعفت التعليم الوجاهي؟
التحول الرقمي أصبح ضرورة، والخطة الاستراتيجية للتعليم 2026–2030 تستهدف تعزيز التحول الرقمي وصولاً إلى نظام تعليم رقمي متكامل بحلول عام 2030.
لكن يجب أن نسأل بموضوعية:
هل المنصات رفعت التحصيل؟
هل زادت جودة التعليم؟
هل ساعدت الطالب والمعلم؟
هل أدت إلى تراجع الالتزام بالتعليم الوجاهي؟
هل رفعت الكلفة الاقتصادية على الأسرة بسبب الاشتراكات والدروس والمصادر الإضافية؟
وهل أصبح الطالب يحصل على تعليم متكامل أم مجرد محتوى رقمي؟
التكنولوجيا وسيلة وليست هدفاً.
سادساً: لماذا أُلغي الامتحان الشامل لطلبة الدبلوم؟ وما أثر ذلك؟
أصبح إلغاء الامتحان الشامل للدبلوم المتوسط نافذاً اعتباراً من 16 شباط 2026، ووضعت وزارة التعليم العالي ترتيبات جديدة للتجسير، منها اعتماد المعدل التراكمي في حالات محددة، وتنظيم امتحان قبول عام لفئة من الطلبة الراغبين بالتجسير في البرنامج العادي.
وهنا يجب ألا يكون السؤال اعتراضاً على القرار بقدر ما هو سؤال تقويمي:
ما المشكلة التي كان الامتحان الشامل يعالجها؟ وما البديل الذي سيضمن توحيد مستوى خريجي الدبلوم وقياس مخرجاتهم؟
فإذا أُلغي الامتحان، يجب أن يكون لدينا نظام بديل قوي للقياس وضمان الجودة، حتى لا تختلف قيمة الشهادة باختلاف المؤسسة التعليمية.
سابعاً: لماذا أصبح القبول في الدبلوم موحداً؟
القبول الموحد قد يحقق العدالة وتكافؤ الفرص، لكن يجب أن ندرس أثره على الكليات والتخصصات وسوق العمل.
هل يحقق التوزيع الأفضل للطلبة؟
هل يأخذ بعين الاعتبار احتياجات المحافظات؟
هل ينسجم مع الطاقة الاستيعابية للكليات؟
وهل يوجه الطلبة إلى التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، أم يظل أسيراً للرغبات والمعدلات؟
ثامناً: هل يستطيع مجلس التربية والتعليم القيام بكل هذه المهمات؟
أمام مجلس التعليم ملفات هائلة: السياسات التعليمية، التعليم العام، التعليم العالي، التعليم المهني والتقني، الموارد البشرية، المواءمة مع سوق العمل، وغيرها.
فهل يكفي أن يجتمع مرة واحدة شهرياً؟
قد يحتاج المجلس، في مرحلة التحول الأولى، إلى اجتماعات متتالية ومتخصصة ولجان فنية دائمة وتقارير أداء دورية، حتى لا تتحول كثرة المسؤوليات إلى بطء في القرار.
تاسعاً: كيف ستُختار مجالس أمناء الجامعات؟
هذه قضية بالغة الأهمية.
مجلس الأمناء ليس موقعاً تشريفياً، وإنما مسؤولية أخلاقية وقانونية ووطنية.
والتوجه الجديد خفّض عدد أعضاء مجالس الأمناء في الجامعات الرسمية والخاصة من 13 إلى 9 أعضاء، مع إعطاء المجالس دوراً أكبر في الحوكمة واختيار رؤساء الجامعات الرسمية.
لذلك أقترح أن يكون الاختيار قائماً على الخبرة والتأهيل والقدرة على الإنجاز وفهم التعليم العالي والحوكمة، وليس على العلاقات أو المجاملات.
وقد يكون من المفيد وجود لجنة متخصصة تدرس السير الذاتية للمرشحين وفق معايير معلنة وواضحة.
عاشراً: هل ستُقيّم مجالس الأمناء سنوياً؟
إذا كنا نتحدث عن تقييم الإدارات الجامعية، فمن الطبيعي أن نسأل:
لماذا لا يكون هناك تقييم سنوي موضوعي لمجالس الأمناء نفسها؟
من يراقب أداء المجلس؟
ما مؤشرات النجاح؟
هل تحققت أهداف الجامعة؟
هل تحسنت مواردها؟
هل تحسن ترتيبها وجودة برامجها وتشغيل خريجيها؟
وهل مارس المجلس دوره الحقيقي في الحوكمة؟
المساءلة يجب أن تشمل الجميع.
حادي عشر: هل يجب أن تكون عضوية مجالس الأمناء تطوعية؟
قد يكون من المفيد دراسة جعل العضوية تطوعية، أو وضع سقف رمزي للمكافآت لا يتجاوز، مثلاً، مبلغاً محدداً، على أن يوجه أي وفر إلى صندوق الطالب المحتاج وفق آلية قانونية وشفافة.
الفكرة ليست تقليل قيمة أعضاء مجالس الأمناء، بل التأكيد أن خدمة الجامعة والوطن مسؤولية، وأن المال العام يجب أن يخضع لأعلى درجات الكفاءة والمساءلة.
ثاني عشر: لماذا لا يُعاد النظر في احتساب مكافأة الموازي؟
هذه قضية تحتاج إلى دراسة قانونية ومالية وتأمينية دقيقة.
فإذا كانت هناك سوابق وقرارات في هذا المجال، فمن المهم مراجعتها ومقارنتها بالتشريعات النافذة، وبيان أثر احتساب مكافأة الموازي على حقوق العاملين والتقاعد والضمان الاجتماعي.
المطلوب دراسة شاملة، لا قراراً انطباعياً.
ثالث عشر: لماذا لا يرتبط دعم الجامعات بنسبة تشغيل خريجيها؟
هذه، في رأيي، من أهم القضايا التي يجب أن تدخل في سياسة تمويل الجامعات.
لماذا لا يكون جزء من الدعم الحكومي مرتبطاً بمؤشرات الأداء؟
ومنها:
نسبة تشغيل الخريجين، ونسبة الطلبة الذين يجدون عملاً في تخصصاتهم، وجودة البرامج، والبحث العلمي، والشراكة مع القطاع الخاص، والابتكار، وخدمة المجتمع.
فالجامعة التي تخرج آلاف الطلبة دون فرص عمل يجب أن تسأل نفسها: هل التخصصات التي تقدمها تتوافق مع احتياجات السوق؟
والجامعة التي تنجح في إعداد خريجين مطلوبين في الداخل والخارج يجب أن تُكافأ على إنجازها.
وهذا لا يعني معاقبة الجامعات، وإنما تحويل التمويل من مجرد دعم تقليدي إلى حافز للأداء والإنجاز.
رابعا عشر والأهم هل تم الاستماع الى الناس في مسارات التوجيهي الجديد ولماذا لم يبقى كما كان
هذا يحتاج إلى سرعه ودقه في الاستماع الموضوعي للناس وتعليقاتهم وتخوفاتهم ومستور رضاهم وليس عيبا التراجع وإعادة نظام التوجيهي كما كان لانه راسخ منذ سنوات طويله ومعتمد وطنيا وعربيا وعالميا والتوجيهي الجديد يحتاج إلى سماع الناس والخبراء بسعة صدر
فالمسؤؤل الواثق والقادر هو المسؤول الذي يسمع ويحاور ويقنع أو يقتنع بآراء الناس والخبراء ومن يعمل يخطىء ومن لا يعمل لا يخطىء
وأخيراً... نحتاج في رأيي إلى "مرصد وطني موضوعي مهني للتعليم"
بعد هذه التحولات الكبيرة، أعتقد أن الأردن بحاجة إلى مرصد وطني مستقل لمتابعة إصلاح التعليم، يصدر تقارير سنوية مبنية على البيانات، ويجيب عن أسئلة واضحة:
ماذا تحقق؟
ماذا لم يتحقق؟
لماذا؟
ما أثر القرارات على الطالب والأسرة والمعلم والجامعة؟
وما تكلفة كل إصلاح؟
وما العائد منه؟
نحن مع تطوير التعليم، ومع تحديث التشريعات، ومع رفع كفاءة الإدارة، ومع التعليم المهني والتقني، ومع التحول الرقمي، ومع استقلالية الجامعات، ومع ربط التعليم بسوق العمل.
لكننا نؤمن بأهمية بالاستماع أكثر ، والدراسة أكثر ، والقياس أكثر ، والتقييم، الدائم والمساءلة، الدائمه والتصحيح المستمر.
فلنستمع أكثر إلى المعلم والطالب وولي الأمر والخبراء وأستاذ الجامعة ورئيس الجامعة والإداريين والطلبه وصاحب العمل والخريج.
ولنسأل الناس قبل القرار، ونقيس النتائج بعد القرار.
فنحتاج إلى نتائج تعليمية أفضل، وخريجين أكثر قدرة على العمل، وجامعات أكثر في زيادة نسب التشغيل للخريجين ، ومدارس أكثر جودة، وإنفاق تعليمي يحقق أفضل عائد للوطن والمواطن.
وفي نفس الوقت لا ننسى الانجازات الهائله في التعليم العام والعالي وفي كافة الميادين وكل مسؤؤل وكل مواطن ينطلق من حبه للوطن وإخلاصه له واهمية النقد البناء وليس جلد الذات فالاردن وطن الانجازات والنجاحات في كافة الميادين وخاصة في التعليم العام والعالي
للحديث بقيه
مصطفى محمد عيروط