د. حمد الكساسبة : الشرق الأوسط بعد الحروب .. من يكتب الخريطة الاقتصادية الجديدة؟
لا تنتهي الحروب عندما تصمت المدافع؛ ففي اليوم التالي يبدأ صراعٌ آخر، أقلُّ ضجيجاً وأكثرُ أثراً: مَن يملك الموانئ؟ ومَن يحدِّد مسارات التجارة؟ ومَن يتحكَّم في الطاقة والتكنولوجيا والبيانات؟ ومَن يفرض القواعد التي ستتحرَّك وفقها اقتصادات المنطقة؟ قد ترسم السياسة حدود التسوية، لكنَّ الاقتصاد هو الذي يحدِّد مَن سيصعد، ومَن سيتراجع، ومَن سيبقى عالقاً في الهامش.
لهذا، لا ينبغي النظر إلى ما يجري في الشرق الأوسط باعتباره سلسلةً من الأزمات العسكرية المنفصلة. فالمنطقة تدخل مرحلةَ إعادة تشكيلٍ واسعةٍ، تتنافس فيها القوى الكبرى والإقليمية على مواقع النفوذ التي ستبقى بعد انتهاء الحروب. ولم تعد الموانئ، والممرات البرية والبحرية، وشبكات الطاقة، والبنية الرقمية مجرَّد مشروعاتٍ اقتصاديةٍ؛ بل أصبحت أدواتٍ لصناعة القوة، وربط الأسواق، والتأثير في القرار.
الخطر ليس في حضور القوى الخارجية؛ فهذا الحضور قديمٌ ومتوقَّعٌ، بل في أن تدخل دول المنطقة المرحلة الجديدة بالنموذج الاقتصادي القديم نفسه؛ نموذجٍ عاش طويلاً على النفط، والمساعدات، والتحويلات، والإنفاق العام، والموقع الجغرافي، من دون أن يحوِّل هذه المزايا إلى إنتاجيةٍ ومعرفةٍ وصناعةٍ قادرةٍ على المنافسة. لقد نجح هذا النموذج، أحياناً، في شراء الاستقرار، لكنَّه لم ينجح بالقدر ذاته في بناء القوة.
وهنا تبدأ محاكمة النموذج الاقتصادي العربي. فامتلاك الموارد لم يعد كافياً، والموقع الجغرافي لم يعد ضمانةً، والوفرة المالية لا تصنع، وحدها، نفوذاً دائماً. فالدولة القوية اقتصاديّاً ليست التي تملك المال فقط، بل التي تعرف كيف تحوِّله إلى معرفةٍ، وكيف تحوِّل المعرفة إلى إنتاجٍ، وكيف تجعل الإنتاج أساساً لقرارٍ سياسيٍّ أكثر استقلالاً.
وقد تستيقظ بعض دول المنطقة، بعد انتهاء الحروب، لتجد أنَّ الخريطة الجديدة قد رُسمت من حولها: ميناءٌ أُنشئ لخدمة تجارة الآخرين، وممرٌّ يعبر أراضيها من دون أن يخلق صناعةً فيها، واتفاقياتٌ تجلب رأس المال من دون أن تنقل التكنولوجيا، ومشروعاتٌ ضخمةٌ ترفع الأرقام، لكنَّها لا تغيِّر بنية الاقتصاد. وعندها تصبح الدولة موقعاً مهمّاً في خريطةٍ لا تملك حقَّ رسمها.
ليس المطلوب رفض الاستثمار الأجنبي أو الانكفاء عن العالم، بل أن تتوقَّف المنطقة عن التعامل مع الاستثمار بوصفه غايةً في ذاته. فقيمة أيِّ مشروعٍ لا تُقاس بحجمه فقط، بل بما يضيفه إلى القدرة المحلية: هل نقل تقنيةً؟ وهل خلق مهاراتٍ؟ وهل فتح سوقاً؟ وهل بنى سلسلةَ توريدٍ؟ وهل جعل الاقتصاد أقلَّ هشاشةً وأكثرَ قدرةً على الاختيار؟
والانتقال المطلوب ليس من اقتصادٍ مغلقٍ إلى اقتصادٍ مفتوحٍ، بل من اقتصاد الوساطة إلى اقتصاد القدرة؛ أي من اقتصادٍ يمرِّر السلع ورؤوس الأموال إلى اقتصادٍ يشارك في إنتاجها، ومن اقتصادٍ يستهلك التكنولوجيا إلى اقتصادٍ يطوِّر جزءاً منها، ومن اقتصادٍ ينتظر القرارات الخارجية إلى اقتصادٍ يمتلك بدائلَ عندما تتغيَّر الظروف.
ولا يمكن إنجاز ذلك داخل حدود كلِّ دولةٍ على حدة؛ فالسوق العربية مجزَّأةٌ، والمشروعات تتكرَّر، والموارد موزَّعةٌ بصورةٍ تجعل التكامل ضرورةً لا شعاراً. فهناك دولةٌ تملك رأس المال، وأخرى تمتلك الموقع، وثالثةٌ تمتلك الكفاءات، ورابعةٌ تمتلك القاعدة الصناعية. لكنَّ هذه العناصر ما تزال تعمل منفصلةً، في وقتٍ يعمل فيه العالم من خلال كتلٍ وشبكاتٍ وسلاسل إنتاجٍ مترابطةٍ.
بعد الحروب، لن يكون السؤال الأهم: مَن ربح المعركة؟ بل: مَن امتلك الاقتصاد الذي أعقبها؟ فقد تُوقَّع التسويات، وتُستأنف حركة التجارة، وتُعاد صياغة العلاقات الاقتصادية، لكنَّ مَن يسيطر على التكنولوجيا، والممرات التجارية، والتمويل، والمعايير هو مَن سيحدِّد اتجاه المنطقة لسنواتٍ طويلةٍ. فالشرق الأوسط لن ينتظر العرب حتى يقرِّروا شكل مستقبلهم؛ لأنَّ الخريطة الاقتصادية تُكتب الآن، ومَن لا يشارك في صياغتها سيجد نفسه مضطرّاً إلى التكيُّف مع قواعد وضعها الآخرون.