اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. عبد الفتاح الدرادكة : الاعتداد بالنفس بين الثقة والغرور

م. عبد الفتاح الدرادكة : الاعتداد بالنفس بين الثقة والغرور
أخبارنا :  

لا شك أن الثقة بالنفس من الصفات المحمودة التي تدفع الإنسان إلى الإنجاز والعطاء، لكن هذه الثقة قد تنقلب إلى غرور إذا تجاوزت حدودها، فيصبح صاحبها أسير صورة رسمها لنفسه لا تعكس الواقع. ولعل من المفارقات التي نعيشها أن ديننا الحنيف نهانا عن الكذب والتكبر والتصنع، ودعانا إلى التواضع والصدق، ومع ذلك نجد في حياتنا اليومية من يبالغ في تصوير ذاته، ويضفي عليها صفات وإنجازات تفوق حقيقتها بكثير.


فكم نسمع من يتحدث عن نفسه وكأنه لا يخطئ، فيبالغ في مدح ذاته، ويحرص على نقل عبارات الثناء التي يظن أنها ترفع من مكانته، فيقول: "قال لي فلان: يا أبا فلان…”، وكأن مجرد ذكر الاسم واللقب يمنحه قيمة إضافية، بينما كان يكفي أن يقول: "قال لي فلان”. والمشكلة ليست في العبارة نفسها، بل في الحرص على إظهار النفس بصورة أكبر مما هي عليه.


ويتكرر الأمر في مواقف أخرى؛ فمن الناس من يروي قصة وكأنه صاحب القرار المطلق، فيقول: "أمرت فلانًا فقال: حاضر”، بينما قد تكون الحقيقة أنه بذل جهدًا كبيرًا في إقناعه أو استعطافه حتى وافق. وآخر يصف مشاجرة فيدّعي أنه ألحق بخصمه هزيمة ساحقة، بينما الواقع أنه كان الطرف الأضعف أو أن الأمر لم يتجاوز مشادة كلامية. بل إن بعضهم يتفاخر بأنه أهان غيره، في حين أن الحقيقة قد تكون معاكسة تمامًا.


هذه المبالغات ليست مجرد روايات عابرة، وإنما تعكس ثقافة متجذرة تقوم على تضخيم "الأنا”، حتى يصبح الإنسان أسيرًا للصورة التي يريد أن يراها الآخرون، لا للصورة الحقيقية التي تعكسها أفعاله وسلوكه. وقد قيل قديمًا: "رحم الله امرأً عرف قدر نفسه”، وهي حكمة تختصر معنى التوازن بين الاعتزاز بالنفس ومعرفة حدودها. كما يقال أيضًا: "من تواضع لله رفعه”، فالتواضع لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يزيده احترامًا في أعين الناس.


وتتجلى خطورة المبالغة في تقييم الذات عندما تتحول إلى قرارات مصيرية. فكثيرًا ما يدفع الغرور بعض الأشخاص إلى خوض تجارب أو منافسات عامة، معتقدين أنهم يمتلكون شعبية واسعة، فيتجاهلون نصائح المخلصين، أو يفسرون المجاملات على أنها تأييد حقيقي. وعندما يخوضون الانتخابات أو يطرحون أنفسهم لمواقع عامة، تكون الصدمة كبيرة عندما تكشف صناديق الاقتراع حجمهم الحقيقي، فيحصلون على عدد محدود جدًا من الأصوات مقارنة بمن يملكون قواعد شعبية حقيقية أو يحظون بدعم المجتمع وثقته.


وقد تعود هذه الظاهرة إلى عوامل متعددة؛ فالعشائرية قد تدفع بعض الأشخاص إلى الاعتقاد بأن انتماءهم وحده كافٍ لتحقيق النجاح، بينما يظن آخرون أن الثروة المالية قادرة على شراء الشعبية وكسب القبول الاجتماعي. وهناك من شغل مناصب رفيعة في مؤسسات الدولة، فاختلط عليه الاحترام الوظيفي بالقبول الشعبي، وظن أن العلاقات الرسمية مع الزملاء والمرؤوسين ستتحول تلقائيًا إلى رصيد انتخابي أو اجتماعي، لكنه يكتشف متأخرًا أن المنصب شيء، والمحبة الصادقة والثقة الشعبية شيء آخر.


إن الإنسان لا يستطيع أن يكون الحكم الوحيد على نفسه، لأن لكل إنسان زاوية نظر قد تحجب عنه عيوبه وتضخم محاسنه. ولذلك فإن تقييم الآخرين، عندما يكون موضوعيًا وصادقًا، يمثل مرآة تعكس الحقيقة بصورة أقرب إلى الواقع. فما نراه إنجازًا كبيرًا قد يراه الآخرون عملاً عاديًا، وما نعده خدمة عظيمة قد يكون في نظرهم واجبًا طبيعيًا، بينما قد يرون في أعمال صغيرة أثرًا كبيرًا لم نكن نلتفت إليه.


إن قيمة الإنسان لا تقاس بما يقوله عن نفسه، وإنما بما يقوله الناس عنه بعد أن يلمسوا أثره في أخلاقه وعطائه وخدمته للمجتمع. فالمديح الحقيقي لا يصنعه صاحبه، وإنما تصنعه المواقف الصادقة والإنجازات الملموسة. ومن الحكمة أن نحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الآخرون، وأن نزن قدراتنا بميزان الواقع لا بميزان الأمنيات، لأن الاعتداد بالنفس إذا اقترن بالتواضع أصبح قوة، أما إذا تحول إلى غرور فإنه يقود صاحبه إلى خيبات كان يمكن تجنبها لو أنه عرف قدر نفسه، واستمع إلى النصيحة، وأدرك أن الناس لا يحكمون على الأقوال، بل على الأفعال. والله من وراء القصد.



مواضيع قد تهمك