اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رمزي الغزوي : انتفاخ الفراغ

رمزي الغزوي : انتفاخ الفراغ
أخبارنا :  

من أقسى ما تفعله بنا أزمنة الرداءة أنها لا تكتفي بإخفاء وإقصاء الجواهر، إنما في ما تمنحه للطارئين الأغبياء أن يكونوا أكبر من أحجامهم، وفي غير مكانهم. ففي الطبيعة، ليس كل ما يكبر ينمو، فثمة ما ينتفخ أيضاً. والفرق بين النمو والتورم، أن الأول دليل حياة، أما الثاني فغالباً ما يكون إنذاراً بالعطب والتشوه. وما أكثر ما نعاين هذا التورم في فضاءات التواصل الاجتماعي، حتى غدا المرء يلتبس عليه الأمر؛ أهو أمام قامة حقيقية أم مجرد ظل منتفخ يوشك أن يتلاشى مع أول وخزة؟

ولهذا، عليك ألا تستهجن كثيراً أن ترى التافهين على سنام المشهد، ولا أن تستكثر عدد المصفقين لهم، ولا أن تسأل بدهشة عمن حملهم إلى هناك. فالتاريخ الإنساني لم يكن عادلاً دائماً، وعصور الرداءة لم تكن يوماً عقيمة عن إنتاج أصنامها الصغيرة. غير أن أكثر ما يدعو إلى التأمل، ليس وصول هؤلاء إلى المشهد، بقدر قدرتهم على إقناعنا بأنهم المشهد كله.

منذ سنوات طويلة، توقفت عن أخذ أعداد «الإعجابات» على محمل الجدية. فاللايكات لا تصلح ميزاناً للحقيقة، ولا معياراً للجودة، ولا شهادةً تمنحها الجماهير لعبقرية فكرة أو أصالة صاحبها. إنها تقول شيئاً عن الرواج، ولا تقول كل شيء عن القيمة. ولو كانت الأعداد معياراً للحصافة، لما غلبت النكتة الساذجة الفكرة العميقة، ولما خسر كثير من أصحاب الأصوات الحقيقية معاركهم أمام ضجيج الاستعراض.

اليوم أصبحنا نحيا زمناً يعشق العضلات الهوائية الفارغة. يكفي أن تمتلك مهارة الإثارة أو صناعة الضجيج، حتى تجد من يحملك على الأكتاف ويرفعك ويكرمك. وأحسب أن أخطر ما في هذا الزمن أنه لا يكتفي بصناعة النجوم الزائفة، بل أنه يدفع بالجواهر الحقيقية إلى الظل والخفوت، ويثبط أصحابها عن مواصلة الطريق.

والمشكلة ليست في وجود الفقاعات، فالفقاعات جزء من كل زمن، المأساة في أن تتحول إلى معيار نقيس به الأشياء والناس والأفكار والقيم. فالجودة لا تصرخ كثيراً، والمعدن النفيس لا يحتاج إلى مهرج يعلن عنه صباح مساء.

سيبقى الفراغ قادراً على الانتفاخ لبعض الوقت، وسيظل الضجيج أعلى صوتاً من الحكمة في أوقات كثيرة. غير أن ما ينتفخ سريعاً، ينكمش سريعاً أيضاً أو ينفجر متلاشيا. وحدها الأشياء الحقيقية تمتلك طباعا أخرى؛ إنها تنمو ببطء، وتبقى طويلاً، ولا تحتاج إلى ألف يد تحملها، لأنها تعرف جيداً كيف تقف على قدميها ولو جار الزمن عليها.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك