اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

محمد ابو رمان : على حافة «النكبة الثانية»

محمد ابو رمان : على حافة «النكبة الثانية»
أخبارنا :  

لم تعد التطورات المتسارعة في الضفة الغربية والقدس امتداداً مألوفاً للعنف اليومي المرتبط بالاحتلال والاستيطان؛ فنحن نشهد خلال الأيام الأخيرة انتقالا نوعيا وخطيرا في طبيعة المشروع الإسرائيلي نفسه، من سياسة إدارة الفلسطينيين والسيطرة عليهم، إلى محاولة كسر قدرتهم على البقاء فوق أرضهم، وتهيئة البيئة السياسية والأمنية والديمغرافية لعملية اقتلاع واسعة، قد لا تأخذ شكل قرار رسمي معلن بالتهجير، لكنها تسير نحوه بخطوات متراكمة ومتسارعة.

لا يمكن فصل التصريحات الأخيرة لوزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن هذا السياق. فالقرارات التي أعلنها مع بنيامين نتنياهو، وتشمل عمليات عسكرية واسعة في القرى الفلسطينية، وسحب تصاريح العمل، والفصل بين الطرق، وتعزيز الحواجز، والأخطر تسريع شرعنة البؤر والمزارع الاستيطانية وإقامة المزيد منها، تكشف أن الرد الإسرائيلي لا يستهدف منفذي عمليات محددين، بل يعاقب مجتمعات كاملة، ويحوّل كل حادث أمني إلى فرصة جديدة لتغيير الواقع على الأرض.

تكمن المشكلة الأكثر خطورة في أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي بدأ يزيل الفاصل بين الجيش والمستوطنين. فعندما يقدّم كاتس المستوطنين بوصفهم جزءاً من منظومة حماية إسرائيل، ويطالب بمنح الجيش حرية العمل «بكل القوة»، فإننا لا نكون أمام دولة تحاول ضبط جماعات متطرفة، بل أمام سلطة تعيد تعريف هذه الجماعات بوصفها ذراعاً متقدمة للمشروع الأمني والسياسي. أما سموتريتش فذهب أبعد من ذلك، عندما دعا إلى إخلاء قرى فلسطينية، وتدمير ما يسميه «البنية التحتية للإرهاب»، بالتزامن مع دعوته المستمرة إلى توسيع الاستيطان ومنع قيام الدولة الفلسطينية، وما يحدث في الميدان يترجم هذا الخطاب حرفياً؛ اقتحام قرى فلسطينية، حرق مسجدين، مهاجمة المنازل والمزارعين، اقتلاع الأشجار، وإغلاق الطرق، فيما يقف الجيش في كثير من الحالات متفرجاً أو متدخلاً إلى جانب المستوطنين.

في القدس، يضيف إيتمار بن غفير بُعداً دينياً قابلاً للانفجار إلى هذا المشهد. اقتحامه المسجد الأقصى برفقة آلاف المتطرفين، وإشادته بأداء الصلوات اليهودية داخله، ليس مجرد استفزاز شخصي، بل محاولة متدرجة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم، وتقويض الوصاية الهاشمية، وتحويل الصراع من قضية احتلال وحقوق وطنية إلى مواجهة دينية مفتوحة.

في هذا السياق تحديداً تكتسب ورقة السياسات التي أصدرها معهد السياسة والمجتمع، وأعدّتها الباحثة الشابة رنا الزاغة بعنوان «الأردن والضم التدريجي في الضفة الغربية: تقدير للتهديدات وخيارات المواجهة»»، أهمية استثنائية؛ لأنها حذّرت مبكراً من أن الضم لن يأتي بالضرورة في صورة قرار قانوني معلن، بل بوصفه واقعاً يومياً متراكماً، يتشكل من الاستيطان، والحواجز، ومصادرة الأرض، وتقييد الحركة، وإنهاك السلطة الفلسطينية، وتحويل المدن والقرى إلى كانتونات معزولة.

ومن أهم ما تشير إليه الورقة، التي اعتمدت على جلسة مشتركة لسياسيين وخبراء أردنيين وفلسطينيين عقدت مؤخراً في معهد السياسة والمجتمع، هو أن عنف المستوطنين لم يعد ظاهرة هامشية أو خروجاً على سلطة الدولة، بل أصبح جزءاً وظيفياً من الضم؛ إذ تدفع وكأننا نستعيد المشهد نفسه: جماعات مسلحة ذات عقيدة دينية وقومية متطرفة، تعمل على ترهيب السكان وحرق ممتلكاتهم ودفعهم إلى الرحيل، بينما توفر لها الدولة الغطاء السياسي والسلاح والحماية. الفارق أن عصابات الهاجاناه وشتيرن كانت تعمل آنذاك قبل قيام الدولة الإسرائيلية، أما اليوم فإن أحفاد هذا المشروع يعملون من داخل الحكومة والجيش والكنيست.

على الصعيد المقابل فإنّ ما يحدث هو تهديد مباشر وكبير للأمن القومي الأردني، على أكثر من صعيد واتجاه، فانهيار السلطة الفلسطينية، والفوضى في الضفة، ومحاولات تغيير الوضع القائم في القدس، والضغط التدريجي لدفع الفلسطينيين شرقاً، كلها عوامل انفجار داخلي فلسطيني، وأيّ فرضية تتجاهل الاشتباك الكامل بين الواقع في الضفة والاعتبارات الاستراتيجية الأردنية هي فرضية محدودة وضحلة أمام الأمر الواقع، الذي يؤكد وجود حالة من الترابط الكبير والوثيق بين الجانبين.

ما يجري اليوم في الضفة بمثابة بروفة خطيرة لمشروع كبير. وتأخر الموقف العربي والدولي، والتواطؤ الأميركي السياسي والأيديولوجي، لا يمنح المتطرفين الإسرائيليين الوقت فقط، بل يمنحهم شعوراً بأن اللحظة التاريخية أصبحت مواتية لإكمال ما بدأ عام 1948. والسؤال لم يعد ما إذا كانت الضفة ستنفجر، بل كم تبقى من الوقت قبل أن يتحول هذا الانفجار إلى نكبة جديدة تتجاوز حدود فلسطين إلى الإقليم كله.


مواضيع قد تهمك