د.عبدالله سرور الزعبي : الدولة القوية لا تخاف من رجالها.. بل من فقدانهم
ليست كل الحرائق تُرى، وليست كل الهزائم تبدأ من الحدود. فهناك حرائق أخطر لأنها لا تترك وراءها دخاناً، بل فراغاً؛ تبدأ حين تفقد الدولة قدرتها على حماية أهم مواردها: الإنسان. حين تتحول الخبرة إلى عبء، والكفاءة إلى مصدر قلق، وقول الحقيقة إلى مخاطرة. فالدول لا تنهار فقط حين تخسر الحروب أو تتراجع اقتصاداتها، بل قد تبدأ مسيرة التراجع حين تبدأ بإهدار رجالها، أولئك الذين راكموا المعرفة وامتلكوا القدرة على قراءة الواقع وصناعة القرار. فخسارة الإنسان الكفء ليست خسارة موقع أو وظيفة، بل خسارة جزء من ذاكرة الدولة وقدرتها على التعلم والتطور. وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن تخسر شخصاً، فالأشخاص يأتون ويذهبون، بل أن تفقد البيئة التي تُنتج القادرين على تحمل المسؤولية. فحين يشعر أصحاب الخبرة أن الصمت أكثر أماناً من المصارحة، تبدأ عملية استنزاف هادئة تظهر لاحقاً في ضعف القرار وتكرار الأزمات.
ولهذا أدركت الدول الناجحة عبر التاريخ أن أعظم ثرواتها ليس ما يوجد تحت الأرض، بل ما يوجد في عقول أبنائها. ولهذا أكد دركر أن المعرفة أصبحت المورد الأهم في العصر الحديث، وأن المؤسسات التي تفقد أصحاب المعرفة تفقد قدرتها على المنافسة والبقاء. وذهب دوغلاس نورث إلى أن قوة الدول تقوم على مؤسسات تنتج الثقة والاستمرارية والتعلم. أما فيبر فرأى أن قوتها تنبع من جعل الكفاءة معياراً ثابتاً يتقدّم على الاعتبارات الشخصية. لكن المشكلة تبدأ حين ينفصل تقدير الكفاءة عن طريقة إدارتها؛ حين يصبح القرب والولاء للأشخاص داخل المؤسسة أهم من القدرة. عندها تخسر الدولة أهم عناصر قوتها "القدرة على سماع الحقيقة، والدولة التي لا تسمعها لا تصحح أخطاءها في الوقت المناسب".
وهنا مكمن الخطر الحقيقي: صاحب الخبرة الذي يرى خللاً ولا يستطيع الحديث عنه لا ينسحب بالضرورة من المؤسسة، لكنه ينسحب من دوره الحقيقي فيها. يبقى جسدياً، ويتراجع تأثيره، وتتحول المؤسسة تدريجياً إلى مكان للتوافق الشكلي، عندها تتقدم الأصوات المترددة وقليلة المعرفة، لأنها أكثر قدرة على التكيّف مع بيئة لا تشجّع الاختلاف. وهنا يختفي الرأي المختلف، لأنه لم يعد يشعر بالأمان الكافي ليُقال. وهكذا تخسر المؤسسات نظام إنذار مبكر كان يمكن أن يحميها من أخطاء أكبر. فالدول القوية ليست التي لا تخطئ، بل التي تمتلك مؤسسات قادرة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة، وهذا لا يحدث إلا حين يكون الخبير قادراً على الحديث، والمؤسسة قادرة على الفصل بين النقد المهني والخصومة الشخصية. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل صانع قرار ليس: كم خسرنا من الرجال؟ بل: كم رجلاً قرر، بصمت، ألا يقول الحقيقة بعد اليوم؟ فتكون المؤسسة قد دخلت في "دوّامة الصمت".
وإلى جانب هذه الدوّامة الداخلية، نرى أن العالم تغير من حول الدولة جذرياً؛ ففي الماضي كانت الدولة تمتلك المنبر وحدها، أما اليوم فقد أصبح الهاتف الذكي منصة إعلامية متنقلة، وأصبح المواطن قادراً على مقارنة الروايات ومساءلة الخطاب الرسمي خلال دقائق. ولم تعد المعركة للوصول إلى الجمهور، بل معركة الحفاظ على ثقته. وفي عصر الإعلام الرقمي لم يعد المتحدث باسم الدولة مجرد ناقل للمعلومة، بل جزءاً منها؛ فالجمهور يربط بين الكلمات وصاحبها، والدولة لا تخاطب مجتمعها بالكلمات فقط، بل بالوجوه التي تحملها. لذلك فإن اختيار من يمثلها قرار إستراتيجي لا مسألة هامشية. والدولة لا تخسر حين يختلف معها الناس، فالاختلاف طبيعي، لكنها تخسر حين تفقد القدرة على إقناعهم؛ فالاختلاف يُدار بالحوار، أما فقدان الثقة فيخلق فجوة يصعب ردمها. فالمصداقية لا تنتقل من المؤسسة إلى الشخص تلقائياً، بل الشخص هو من يرفعها أو يُضعفها. ولهذا فإن الدول الناجحة تبحث عمّن يمتلك المعرفة والهدوء في إدارة الأسئلة، ويحترم عقل جمهور لا يريد من يخاطبه من موقع الوصاية، بل باعتباره شريكاً في فهم التحديات الوطنية.
وهنا تظهر إحدى أخطر ظواهر العصر الرقمي "الفراغ المعلوماتي" الذي لا يبقى فارغاً. فإن لم تملأه المعلومة الموثوقة، ملأته مصادر أخرى قائمة على المبالغة أو الإشاعات أو الاستقطاب، إذ لا يغادر المواطن الإعلام الرسمي رفضاً لما يطرحه، بل بحثاً عن صوت يعكس أسئلته ومخاوفه، وعندما يشعر أن الرسالة لا يحملها الأقدر على الإقناع. ومن هذا الفراغ نشأ سلاح جديد من أسلحة العصر "الاغتيال المعنوي". فلم يعد استهداف الأشخاص يحتاج إلى قرار رسمي أو مواجهة مباشرة؛ تكفي إشارة لتُطلق حملة رقمية منظمة، أو اجتزاء موقف، أو إعادة تفسير تصريح خارج سياقه، حتى تبدأ عملية تشويه يصعب إيقافها. وفي غضون ساعات قد يجد من بنى سمعته المهنية خلال عقود نفسه أمام محكمة رقمية لا تعرف قواعد العدالة، ولا تمنح حق الرد، ولا تميّز بين النقد المشروع والتشهير المتعمد.
وهنا تكمن خطورة الخلط بين الاثنين: فالنقد ضرورة لصحة المؤسسات، أما تحويل الاختلاف إلى هدم للسمعة فيضر بالمؤسسات قبل الأفراد. والأخطر أن أثر هذه الحملات يمتد إلى كل من يراقب المشهد من الداخل، فيتلقى رسالة مختصرة "لا تقترب من الملفات الصعبة، ولا تقدّم رأياً مخالفاً، ولا تتحمل مسؤولية الحديث عن مشكلة حقيقية". وحين تنتشر هذه الرسالة تبدأ أخطر مراحل التراجع المؤسسي "الخوف من المبادرة". فالمؤسسة التي يخاف أفرادها تصبح أقل قدرة على الابتكار، وأقل قدرة على التصحيح. وما كان يُحتوى بالأمس داخل جدران المؤسسة يتحول اليوم خلال دقائق إلى قضية عامة تتداولها المنصات وتبقى آثارها لسنوات. وقد يبدو المشهد خلافاً إدارياً، لكنه في عمقه يعكس سؤالاً أكبر "ماذا يحدث حين يصبح النجاح مدعاةً للشك، والاجتهاد مخاطرة قد تنتهي باغتيال السمعة؟".
ومع ذلك، هناك خطأ شائع في فهم حماية الدولة، إذ يظن البعض أنها تعني حماية كل من يعمل باسمها من النقد. لكن حمايتها تعني حماية المؤسسات من الضعف والقرار من المعلومات الناقصة، أما الأشخاص فيبقون ضمن إطار المساءلة، مع فارق جوهري "المساءلة ليست تشهيراً، والنقد ليس إلغاءً، والمحاسبة لا تعني حرق رصيد من خدم المؤسسة". فالدولة التي تريد بناء مستقبلها تحتاج معادلة دقيقة "محاسبة عادلة بلا اغتيال معنوي، ونقدا مسؤولا بلا هدم للثقة". فكما تضعف الدولة التي لا تحاسب المقصّرين، تضعف أيضاً تلك التي تُهدر سمعة المخلصين؛ الأولى تخسر الانضباط، والثانية تخسر الثقة. فالمؤسسات الناضجة لا تبحث عن رجال لا يخطئون، بل عن رجال يملكون القدرة على التعلم والشجاعة على الاعتراف والاستعداد لقول الحقيقة ولو كانت غير مريحة. والمؤسسات القوية تجمع بين أمرين متلازمين "المساءلة الصارمة، والعدالة في التقييم". وقد كتب مكيافيلي أن الحكيم من يحيط نفسه برجال قادرين على قول الحقيقة، لا رجال يجيدون قول ما يريد سماعه. وهنا نصل إلى جوهر القضية "الدولة لا تحتاج فقط إلى رجال يعملون داخل مؤسساتها، بل إلى رجال يملكون الشجاعة الفكرية للحديث حين يكون الحديث ضرورياً". والملك، وهو القائد الواثق وصاحب الحكمة، سبق وأن حذر من ظاهرة أن يسود الصمت على قول الحقيقة أكثر من مرة.
وتؤكد تجارب الدول الناجحة هذا الدرس، من سنغافورة إلى فنلندا، أدركت الدول التي صنعت تجاربها التنموية أن الكفاءة أصل وطني لا وظيفة مؤقتة. فسنغافورة جعلت الخدمة العامة قائمة على الجدارة لا المكاسب الشخصية. وبنت فنلندا نموذجها على أن النقد داخل المؤسسات أداة لتحسين الأداء لا تهديد؛ فالخطأ الذي يُكتشف مبكراً يمكن إصلاحه، أما الذي تخفيه ثقافة الخوف فقد يتحول إلى أزمة. وفي كوريا الجنوبية ارتبط الانتقال إلى قوة صناعية كبرى بإدراك أن الابتكار يحتاج بيئة تسمح للعقول بالعمل. والقاسم المشترك بينها ثقافة مؤسسية ترى في الكفاءة قيمة وطنية وفي الخبرة رصيداً لا يجوز استنزافه.
اليوم وقد دخل العالم مرحلة يمكن تسميتها "اقتصاد السمعة"، حيث أصبحت السمعة الوطنية جزءاً من الأمن القومي، فالاستثمار يبحث عن الثقة، والشركاء الدوليون عن مؤسسات مستقرة لا تستهلك رجالها في صراعاتها الداخلية، وتفقد معها ذاكرتها تدريجياً، وهو ما يعرف بـ"الاستنزاف المؤسسي"، أو فقدان "رأس المال المعرفي"، وهو أخطر الخسائر لأنه لا يظهر في الموازنات، بل لاحقاً في ضعف القرار وتكرار الإخفاقات. وذهب فوكوياما إلى أن الثقة رأس مال إستراتيجي، وأن المجتمعات التي تتآكل فيها تصبح أقل إنتاجاً وأكثر عرضة للانقسام والاختراق. واليوم الدول لم تعد تتنافس على الأرض والموارد فقط، بل على العقول والقدرة على إنتاج المعرفة. فالذكاء الاصطناعي، مهما تطور، يحتاج إلى عقول تضع الأسئلة الصحيحة وتتخذ القرارات الأخلاقية. ولهذا فإن الدولة التي تهدر كفاءاتها اليوم قد تدفع الثمن غداً في قدرتها على المنافسة؛ فخسارة خبير أو مفكر لا تعني فقدان شخص فقط، بل فقدان سنوات من التراكم المعرفي الذي لا يُستورد بقرار.
وربما لا يكون السؤال الأهم: كم رجلاً خسرت الدولة؟ بل: كم رجلاً بقي فيها لكنه قرر ألا يتحدث؟ فالمؤسسة قد تفقد شخصاً في موقع مسؤولية، لكن الخسارة الأكبر حين يفقد عشرات الأشخاص الرغبة في المبادرة لأنهم رأوها مكلفة. وحين تصل رسالة إلى المجتمع بأن النجاح لا يحمي صاحبه، وأن الاجتهاد قد يتحول إلى مخاطرة، فإن الدولة تُضعف حافز الجيل القادم؛ فالموظف الشاب يتعلّم من طريقة تعامل الدولة مع رجالها. ومن يجرّ الدولة إلى الأزمة ليس المعارض أو الفاسد وحدهما، بل أيضاً المسؤول الذي يخشى الكفاءة، والمستشار الذي يحتكر القرار، والمتملّق الذي يحجب الحقيقة، والحملات الرقمية التي تجعل التشهير بديلاً عن النقاش. فقوة الدولة ليست في منع النقد، بل في منع تحوّله إلى خصومة، وتحوّل الخصومة إلى اغتيال معنوي، وتحوّل الاغتيال المعنوي إلى سياسة مؤسسية. وكل وجه تدفع به الدولة إلى الشاشة هو استفتاء جديد على ثقة المجتمع؛ فإذا افتقد المصداقية، فإن الدولة لا تكسب دقائق من البث، بل تخسر سنوات من الثقة.
فالدول لا تدخل في الأزمات يوم تُهاجم من الخارج فقط، بل يوم يقتنع أفضل رجالها بأن قول الحقيقة قد يكلّفهم سمعتهم، وأن الصمت هو الطريق الأكثر أماناً. عندها لا تكون الدولة قد خسرت رجل دولة، بل خسرت البيئة التي تُنجب الرجال أصلاً. فالأمم لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة؛ ولا بالصمت، بل بالحوار؛ ولا بحماية من أخطأوا، بل بحماية المؤسسات من الأخطاء. وفي عصر أصبحت فيه الثقة الثروة الأغلى، فإن أعظم استثمار تقوم به أي دولة أن تجعل رجالها القادرين يؤمنون بأن دولتهم تحتاجهم وتحترمهم وتمنحهم الشجاعة ليقولوا ما يجب أن يُقال. فالدول لا تُبنى برجال لا يخطئون، وإنما برجال يمتلكون الشجاعة ليقولوا ما يرونه حقاً، ومؤسسات تمتلك الحكمة لتستمع إليهم، وتحاسبهم بعدل وتحفظ كرامتهم. فالدولة التي تحمي عقولها، تحمي مستقبلها.
*مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية
ــ الغد