هنادي عبد الرحيم المناصير : ثقافة التحديث المجتمعي... نحو مجتمع أكثر قدرة على المنافسة
تُظهر نتائج المؤشر العالمي للحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي (GIRAI) أن الأردن يحقق أداءً متقدمًا في بُعد «العمل والمهارات» ضمن المؤشر، وهو ما يعكس امتلاك المملكة قاعدة بشرية مؤهلة للتكيف مع التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.
نحن أقرب إلى الجاهزية البشرية للتحول الرقمي منّا إلى الجاهزية التقنية. وهذه ليست مفارقة عابرة، بل خلاصة دقيقة لسؤال أكبر يفرض نفسه اليوم: هل يتغيّر مجتمعنا بالسرعة التي يتغيّر بها العالم من حولنا؟ فالتكنولوجيا تتطور بوتيرة غير مسبوقة، والذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح الاقتصاد وسوق العمل وأسلوب الحياة نفسه. ومن يتأخر في مواكبة هذه التحولات لن يجد نفسه خارج المنافسة فحسب، بل سيقضي وقته في محاولة اللحاق بما سبقه.
لكن التحديث المجتمعي لا يعني التخلي عن الهوية أو القيم الأصيلة. فالمجتمعات التي نجحت في هذا الانتقال لم تكن أسيرة الماضي، ولم تنبهر بكل ما هو جديد، بل امتلكت وعيًا يميّز بين ما يستحق الحفاظ عليه وما يحتاج إلى تطوير. وهذا ما تعكسه مؤشرات المهارات؛ إذ يمتلك الأردنيون قدرة على التكيف والتعلّم، بينما لا تزال البنية التقنية والمؤسسية بحاجة إلى مزيد من التطوير لمواكبة هذه القدرات.
يمضي الأردن بخطى متقدمة في مسارات التحديث الاقتصادي والإداري والتحول الرقمي، وهي جهود تستحق الدعم والبناء عليها. غير أن نجاحها لا يرتبط بالتشريعات والخطط وحدها، بل بمدى استعداد المجتمع لتبنّي التغيير والمشاركة فيه. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إعداد الخطط أو تطوير التشريعات، وإنما في تقليص الفجوة بين سرعة التحولات العالمية وسرعة استجابة المجتمع لها. فنجاح أي مشروع وطني لا يُقاس بعدد المبادرات التي تُطلق أو التقنيات التي تُستحدث، بل بقدرته على إحداث تغيير مستدام في سلوك الأفراد وأنماط العمل وثقافة الإنتاج. ومن هنا، يصبح الاستثمار في الإنسان وتعزيز وعيه بالتغيير شرطًا أساسيًا لاستدامة الإصلاح، لأن التنمية تبدأ عندما يتحول التحديث من سياسة حكومية إلى قناعة مجتمعية راسخة.
وتبدأ ثقافة التحديث من تفاصيل صغيرة قد تبدو بديهية، مثل احترام الوقت، وإتقان العمل، والاعتماد على الذات، والعمل بروح الفريق، والالتزام بالقانون، واحترام الرأي المختلف. كما تنطلق من قناعة بسيطة بأن التعلّم لا يتوقف عند الحصول على شهادة، بل يستمر ما دامت الحياة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، لا تزال بعض المهن تُقاس بمقياس اجتماعي تقليدي، ولا يزال كثير من الشباب يرى في الوظيفة الحكومية أو الثابتة الطريق الوحيد للاستقرار. ورغم أن هذه النظرة بدأت تتغير تدريجيًا، فإن ترسيخ ثقافة المبادرة وريادة الأعمال ما زال بحاجة إلى جهد أكبر، بحيث تتحول الأفكار إلى مشاريع حقيقية تخلق فرص عمل، وتسهم في دعم التنمية في مختلف مناطق المملكة.
أما في المجال المعرفي، فلم يعد التحدي الوصول إلى المعلومة، فهي متاحة للجميع، بل القدرة على التحقق منها وتحليلها واستخدامها استخداماً صحيحاً. ففي عصر الذكاء الاصطناعي والمحتوى الرقمي المتدفق، أصبح التفكير النقدي والوعي الرقمي من أهم المهارات التي يحتاجها الإنسان، لأنها تحميه من التضليل وتمكّنه من اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.
ولعل أكبر تحدٍ نواجهه اليوم ليس نقص التكنولوجيا، بل سرعة تطورها مقارنة بسرعة تغيّر أنماط تفكيرنا. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق برقمنة الخدمات أو إدخال تقنيات حديثة فحسب، بل حين يصبح الإنسان قادرًا على توظيف هذه الأدوات في تحسين عمله وحياته، والنظر إليها بوصفها فرصة للتطور لا مصدرًا للقلق أو المقاومة.
ومسؤولية ترسيخ هذه الثقافة لا تقع على جهة واحدة؛ فالأسرة هي البداية، والمدرسة والجامعة تصنعان الوعي، والإعلام شريك في تشكيل الرأي العام، والقطاع الخاص يؤدي دورًا مهمًا في دعم الابتكار وخلق الفرص، فيما تسهم مؤسسات المجتمع المدني في تعزيز ثقافة التطوع والمشاركة والمسؤولية المجتمعية.
التحديث المجتمعي ليس شعارًا يُردَّد، بل سلوك يومي ينعكس في طريقة تفكيرنا وأسلوب عملنا وتعاملنا مع الآخرين. والتغيير الحقيقي يبدأ من الفرد، ثم يمتد إلى الأسرة، فالمؤسسة، وصولًا إلى المجتمع بأكمله.
يمكن توفير التكنولوجيا بقرار، ويمكن تمويل المشروعات وتنفيذها بخطة، أما الثقافة فلا تُفرض بقرار، بل تُبنى بالتعليم والقدوة والممارسة المستمرة.وحين تصبح ثقافة التحديث جزءًا من حياتنا اليومية، فإننا لا نواكب المستقبل فحسب، بل نصنعه، ونمنح أبناءنا مجتمعًا أكثر وعيًا، وأكثر إنتاجًا، وأكثر قدرةً على المنافسة.