فراس النعسان : مدونة الذوق العام.. وصفة للجدل لا للحلول
أخطأ النواب الذين تبنوا مذكرة تطالب بإعداد مدونة للذوق العام والسلوك واللباس في الأماكن العامة، ليس لأن المجتمع الأردني لا يحتاج إلى ترسيخ القيم، بل لأنهم اختاروا المدخل الخطأ، وفي التوقيت الخطأ.
المشكلة الأولى أن المذكرة تتعامل مع (الذوق العام) باعتباره مفهوماً يمكن تعريفه بسهولة، بينما هو من أكثر المفاهيم اختلافاً بين الناس. فما يراه شخص لائقاً قد يراه آخر عادياً، وما تعتبره فئة منسجماً مع قيم المجتمع قد لا تتفق معه فئات أخرى. لذلك فإن أي محاولة لوضع مدونة بهذا العنوان ستفتح باباً واسعاً للاجتهادات والتفسيرات، وستثير خلافات أكثر مما تقدم حلولاً.
أما المشكلة الثانية، فهي أن بناء الذوق العام لا يبدأ من المذكرات النيابية. إذا كان الهدف هو تحسين السلوك في الأماكن العامة، فإن الأولوية يجب أن تكون للتربية والتعليم والثقافة وتطبيق القوانين القائمة. لدينا تشريعات تعاقب على الاعتداء على الآخرين، والإخلال بالنظام العام، والإساءة للممتلكات العامة. المشكلة ليست في غياب النصوص، بل في تطبيقها.
ثم إن المذكرة ترسل رسالة سياسية خاطئة. ففي وقت ينتظر فيه الأردنيون حلولاً لقضايا الاقتصاد والبطالة والاستثمار وتحسين الخدمات، ينشغل مجلس النواب بملف يعلم مسبقاً أنه سيقسم الرأي العام ويستنزف النقاش في قضية لا تمثل أولوية وطنية. ليس مطلوباً من المجلس أن يتجاهل القيم، لكنه مطالب أولاً بأن يحدد ما ينتظره الناس منه.
والأهم من ذلك أن القيم لا تُفرض بقرارات. كل تجربة حاولت تنظيم الأخلاق عبر نصوص عامة وفضفاضة انتهت إلى مزيد من الجدل حول حدود التدخل في الحياة الشخصية، لا إلى مجتمع أكثر التزاماً. فاحترام الآخرين، والمحافظة على الممتلكات العامة، والالتزام بالنظام، لا تنتجها المدونات، بل تنتجها التربية وسيادة القانون.
ولعل تجارب عدد من الدول تقدم درساً مهماً في هذا المجال. فقد اتجهت بعض الحكومات إلى إصدار أدلة أو مواثيق للسلوك في الأماكن العامة، لكنها ركزت على قواعد واضحة تتعلق بالنظافة، والمحافظة على المرافق العامة، واحترام خصوصية الآخرين، ومنع الإزعاج أو التخريب، وربطت ذلك بقوانين محددة تعرف المخالفة والعقوبة بدقة. وفي المقابل، واجهت تجارب أخرى حاولت توسيع هذه المفاهيم لتشمل أنماط اللباس أو السلوك الشخصي انتقادات واسعة، لأنها اصطدمت بتنوع المجتمع واختلاف القناعات، وأثارت جدلاً أكبر من النتائج التي حققتها.
كما أن الدول التي نجحت في تعزيز السلوك الحضاري لم تعتمد على المدونات وحدها، بل جعلتها جزءاً من منظومة متكاملة تشمل التعليم والإعلام والتوعية المجتمعية والإنفاذ العادل للقانون. فالانضباط في الفضاء العام لا يصنعه نص عام يحمل عنواناً جذاباً، وإنما تصنعه مؤسسات قادرة على غرس القيم منذ الصغر، وقوانين تطبق على الجميع دون استثناء، وثقافة مجتمعية ترى في احترام النظام مصلحة مشتركة لا التزاماً مفروضاً.
إذا كان النواب يريدون فعلاً الدفاع عن الذوق العام، فليبدأوا بالمطالبة بمدارس أفضل، وإعلام أكثر مسؤولية، وتطبيق صارم للقوانين، ومكافحة خطاب الكراهية والفوضى في الفضاء العام. أما إصدار مذكرة بعنوان فضفاض مثل (مدونة الذوق العام)، فلن يضيف قيمة تشريعية، لكنه نجح بالفعل في أمر واحد: إشعال جدل جديد كان الأردن في غنى عنه.
ــ الغد