علي ابو حبلة : المستوطنون رأس الحربة في مشروع الضم والتهجير
لقد أثبتت الوقائع الميدانية أن المستوطنين لم يعودوا مجرد مجموعات متطرفة تعمل بصورة منفردة، وإنما أصبحوا ذراعاً تنفيذية للمؤسسة الرسمية الإسرائيلية، يتحركون تحت حماية الجيش، ويحظون بالدعم السياسي والعسكري واللوجستي، لتنفيذ سياسة تستهدف تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، وفرض أمر واقع يجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر تعقيداً.
إن الهجوم الذي تعرضت له بلدة تل، وما رافقه من إطلاق للرصاص الحي على المواطنين الذين كانوا يدافعون عن منازلهم وأرضهم، ثم اقتحام مستشفى نابلس التخصصي واعتقال أحد الجرحى من داخل قسم الطوارئ، يكشف حجم الانتهاك الذي تمارسه سلطات الاحتلال للقانون الدولي الإنساني ، ويؤكد أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أصبحت شريكاً مباشراً في الاعتداءات، لا جهة يفترض بها فرض الأمن أو منع الاعتداءات.
وتأتي هذه التطورات في ظل حكومة إسرائيلية هي الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، تتبنى بصورة علنية مشروع ضم الضفة الغربية، وتمنح المستوطنين صلاحيات ونفوذاً غير مسبوقين، في وقت تتسارع فيه عمليات إنشاء البؤر الاستيطانية، ومصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وشق الطرق الالتفافية، بما يعكس انتقال المشروع الاستيطاني من مرحلة التوسع التدريجي إلى مرحلة فرض السيادة الإسرائيلية الفعلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
ولا يمكن قراءة هذا التصعيد بعيداً عن الأزمات الداخلية التي تواجه حكومة بنيامين نتنياهو؛ إذ يبدو أن تصدير الأزمة نحو الأراضي الفلسطينية أصبح خياراً دائماً للهروب من الضغوط السياسية والقضائية الداخلية، ولإرضاء أحزاب اليمين الديني والقومي التي تشكل العمود الفقري للائتلاف الحاكم. وفي هذا السياق، يصبح التصعيد في الضفة الغربية جزءاً من معادلة سياسية داخلية بقدر ما هو تنفيذ لمشروع استيطاني طويل الأمد.
كما أن إعلان الجيش الإسرائيلي استعداده لتنفيذ عملية عسكرية واسعة في شمال الضفة الغربية، والدفع بتعزيزات إضافية، يؤكد أن المؤسسة الأمنية تتعامل مع الضفة باعتبارها ساحة مواجهة مفتوحة، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد عمليات عسكرية أكثر اتساعاً بالتزامن مع تصعيد اعتداءات المستوطنين ، في محاولة لفرض معادلة أمنية جديدة تخدم أهداف المشروع الاستيطاني.
ومن الناحية القانونية، فإن ما يجري يمثل انتهاكاً صارخاً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على دولة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، كما يشكل جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، سواء من حيث القتل العمد للمدنيين، أو التهجير القسري، أو الاستيلاء غير المشروع على الأراضي، أو الاعتداء على المنشآت الطبية، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم، وتستوجب المساءلة والمحاسبة الدولية.
إن ما يجري اليوم في الضفة الغربية ليس مجرد تصعيد أمني، بل يمثل مرحلة متقدمة من مشروع استعماري يستهدف الأرض والإنسان والهوية الفلسطينية. فالاستيطان لم يعد مجرد بناء وحدات سكنية، وإنما أصبح منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وفرض واقع سياسي جديد بالقوة، بما يقوض أي فرصة لتحقيق سلام عادل قائم على قرارات الشرعية الدولية.
ويبقى الرهان الحقيقي على صمود الشعب الفلسطيني ووحدة موقفه الوطني، وعلى قدرة الدبلوماسية الفلسطينية، مدعومة بالموقفين العربي والدولي، على تحويل الجرائم الإسرائيلية إلى قضية مساءلة قانونية وسياسية مستمرة، لأن حماية الأرض الفلسطينية لم تعد مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لفاعلية النظام الدولي ولمدى احترامه للقانون الدولي وحقوق الإنسان.