اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

مالك العثامنة : التعليم المهني طريق صعود لا مخرج اضطراريا

مالك العثامنة : التعليم المهني طريق صعود لا مخرج اضطراريا
أخبارنا :  

بينما يعود تنظيم العمل المهني إلى النقاش العام، يبدو السؤال والجدل فيه أكبر من مواد القانون وشروط الترخيص وشهادات مزاولة المهنة، فالمشكلة الحقيقية هي أن الأردن أمضى عقودا يتعامل مع الجامعة بوصفها الطريق الطبيعي للنجاح، ومع المهنة اليدوية أو التقنية بوصفها خيارا أقل قيمة لمن لم يسعفه المعدل أو الحظ.

 

هذه الفكرة لم تصنع طبقة واسعة من المتعلمين فقط، بل صنعت آلاف المنتظرين أيضا، يحمل الشاب منهم شهادته ويجلس بانتظار وظيفة تشبه اسم تخصصه، بينما يبحث السوق الذي لا يتحمل الانتظار عن كهربائي وفني تكييف ومبرمج معدات وتقني صيانة وعامل ماهر، فلا يجد العدد أو الجودة الكافية، والمفارقة الأكبر أن بعض حملة الشهادات يقضون سنوات في البطالة، فيما يحقق أصحاب المهن دخولا أعلى واستقلالا أسرع، لكن المجتمع يواصل النظر إلى الأول بوصفه ناجحا مؤجلا، وإلى الثاني بوصفه أقل مكانة.

المجتمعات التي نعدها متقدمة لم تجعل الشهادة الجامعية شرطا للصعود الاجتماعي أو السياسي، فمثلا البولندي "ليخ فاليسا" بدأ كهربائيا في أحواض غدانسك، ومن ورشة السفن خرج زعيما لحركة تضامن، ثم حاز جائزة نوبل للسلام وأصبح رئيسا لبولندا، وهناك أيضا "لولا دا سيلفا" تلقى تدريبا مهنيا وعمل في صناعة المعادن، ثم قاد نقابة العمال وصعد إلى رئاسة البرازيل، أما "جون ميجور" فغادر المدرسة في السادسة عشرة ولم يدخل الجامعة، ثم أصبح رئيسا لوزراء بريطانيا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه النماذج لا تقول إن التعليم غير مهم، بل تقول إن الجامعة ليست المصدر الوحيد للمعرفة والكفاءة والقيادة.

تلك المجتمعات "وهي متقدمة بلا شك" لا تغلق السلم الاجتماعي في وجه من بدأ من المصنع أو الورشة، ولا تطلب من السياسي أو المدير أن يثبت مكانته بورقة أكاديمية قبل أن يثبتها بالكفاءة والتجربة، بينما ما نزال نحن نستخدم الشهادة أحيانا بوصفها لقبا اجتماعيا، لا أداة معرفة، ونختزل الإنسان في اسم تخصصه حتى لو لم يمارس منه شيئا.

وفي سويسرا، التي لا يمكن اتهامها بالتقليل من قيمة العلم، يدخل نحو ثلثي الشباب مسارات التعليم والتدريب المهني، لأن المهنة هناك ليست ممرا خلفيا للفاشلين، بل طريق واضح إلى سوق العمل، ويمكن أن يقود لاحقا إلى الإدارة والتخصص والتعليم العالي. لذلك لا يشعر المتدرب أنه خسر مستقبله إذا لم يدخل الجامعة، ولا تشعر أسرته أنها خسرت مكانتها.

تنظيم العمل المهني خطوة ضرورية، لكنه لن ينجح إذا بقي التعليم المهني عقوبة مدرسية، وإذا ظل الطالب يذهب إليه مكرها بعد أن تغلق الجامعة أبوابها في وجهه، والمطلوب مسار مهني محترم، يبدأ مبكرا، ويتصل بالشركات، ويمنح صاحبه ترخيصا وسلما للتقدم وحماية اجتماعية وفرصة للانتقال لاحقا إلى التعليم التقني أو الجامعي.

الدول لا تتقدم بعدد الشهادات المعلقة على الجدران، بل بعدد الأشخاص الذين يعرفون كيف يصنعون ويصلحون ويشغلون وينتجون. والأردن لا تنقصه الجامعات بقدر ما تنقصه الشجاعة المجتمعية للاعتراف بأن المهنة ليست درجة أدنى من التعليم، وأن السلم الاجتماعي لا ينبغي أن يبدأ من باب الجامعة وحده. ــ الغد


مواضيع قد تهمك