اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رلى السماعين : الإعلام المتخصص، المواقع الرقمية، والسياحة

رلى السماعين : الإعلام المتخصص، المواقع الرقمية، والسياحة
أخبارنا :  

وسائل التواصل الاجتماعي، بلا شكّ، أحدثت تحولاً كبيراً في عالم الصحافة، لكنها لم تصل إلى مرحلة بأن تُلغى الحاجة إلى الصحافة المهنية. فقد غيّرت سرعة وصول المعلومة والخبر، ليست بالضرورة دقيقة، ووسّعت دائرة المشاركين في نقلها، وأصبحت تؤثر في القصص التي تستحوذ على اهتمام المتابعين.

فشاهد عيان، مثلاً، يستطيع من خلال هاتفه أن ينقل حدثاً قبل وصول الصحافة، كما يمكن لمنشور واحد أن يحوّل واقعة محلية إلى قضية دولية خلال دقائق. وقد جعلت هذه السرعة وسهولة الوصول من ناقل المعلومة مصدراً مؤثراً للأخبار العاجلة. ولكن السرعة وحدها لا تصنع صحافة موثوقة؛ فالمعلومة المنشورة فوراً قد تكون ناقصة، أو مضللة، أو مجتزأة من سياقها، أو غير صحيحة من أساسها. وهنا تحديداً تبرز أهمية الصحافة المهنية.

في السياحة ، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً مهماً لا يمكن إنكاره، فقد عرّفت ملايين الأشخاص بموقع سياحي خلال ساعات، واستطاعت أن تحوّل تجربة فردية إلى دعوة مفتوحة للزيارة، وتشير دراسة لإكسبيديا لعام 2025 إلى أن أكثر من 60 % من المسافرين يستلهمون أفكار رحلاتهم من وسائل التواصل الاجتماعي، فيما قال 73% إن توصيات المؤثرين كان لها أثر في قرارات الحجز.

لكن التأثير السريع لا يعني بالضرورة أثراً عميقاً أو مستداماً.

فوسائل التواصل تجيد لفت الانتباه، بينما يتميز الإعلام السياحي المتخصص بقدرته على تحويل هذا الانتباه إلى معرفة وثقة ورغبة مدروسة في الزيارة. والفرق هنا ليس بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، بل بين محتوى سريع تحكمه الخوارزميات، ومادة مهنية يعدّها متخصصون، وتقوم على البحث والتحقق والفهم العميق للمكان.

قد يرى السائح صورة جميلة فيبدأ بالبحث، لكنه لا يبني رحلته على الصورة وحدها. وتبيّن دراسة «مسار الشراء» التي أجرتها إكسبيديا في سبع أسواق، وشملت 5,713 مسافراً، إضافة إلى بيانات رقمية لأكثر من 70 ألف شخص، أن المسافرين يقضون في المتوسط أكثر من خمس ساعات في استهلاك المحتوى والبحث قبل الحجز. وهذا يعني أن قرار السفر لا يتشكّل في لحظة واحدة، بل عبر سلسلة من المعلومات والمصادر والانطباعات.

كما وجدت دراسة أخرى، أُجريت على سبعة آلاف مسافر، أن الفارق بين مشاهدة الفيديو الطويل والفيديو القصير والسريع كان محدوداً، بنسبة 49 % مقابل 45 %. وهذا يشير إلى أن المتلقي، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالسياحة، لا يبحث عن السرعة وحدها، بل عن سرد أكثر وضوحاً، ومحتوى يمنحه الثقة والعمق.

هنا تظهر قيمة الإعلام المتخصص؛ فهو لا يكتفي بإظهار الموقع، بل يروي تاريخه، ويتحقق من معلوماته، ويربطه بالمجتمع المحلي وبهويته الوطنية، ثم يقدمه بلغة يفهمها الجمهور المحلي والدولي. كما تبقى مادته قابلة للبحث والرجوع إليها والاستفادة منها في الحملات والمعارض والمواقع الرسمية، بدلاً من أن ينتهي أثرها مع تراجع التفاعل على المنشور.

وسائل التواصل مهمة لفتح الباب، لكن الإعلام المتخصص هو الذي يدعو الزائر إلى الدخول، ويمنحه سبباً للبقاء والتذكّر والعودة. فالسياحة لا تحتاج فقط إلى أن يرانا العالم، بل إلى أن يفهم قصتنا، ويثق بها، ويحملها معه بعد انتهاء الرحلة.

والأهم أن ندرك أن السياحة ليست قطاعاً جانبياً، بل ترتبط مباشرة بالاقتصاد المحلي. ولا يفتقر الأردن إلى المواقع السياحية، ولا إلى التاريخ، ولا إلى التنوع؛ ما ينقصنا هو أن نربط هذه العناصر ضمن رواية واضحة ومستمرة، تشرح للعالم لماذا يستحق الأردن أن يُزار، بدلاً من أن نكتفي بعرض صور جميلة لمواقعه.

وسائل التواصل الاجتماعي مهمة، والمؤثرون يحققون انتشاراً سريعاً، لكن المنشور السريع لا يستطيع وحده أن يقدم العمق التاريخي والديني والثقافي للمكان. فالسائح لا يختار وجهته بناءً على الصورة وحدها، بل على القصة التي تمنحه سبباً للحضور والفهم والبقاء مدة أطول.

ما زلنا نقدم البترا ومادبا وجبل نيبو ومكاور والمغطس والبحر الميت بوصفها مواقع منفصلة، بينما يستطيع الإعلام المتخصص أن يربطها ضمن مسارات تحمل معنى وقصة. وربط المواقع لا يخدم الرواية السياحية وحدها، بل يسهم أيضاً في توزيع الحركة السياحية على المحافظات، ويشجع الزائر على تمديد إقامته، ويزيد استفادة المجتمعات المحلية.

حمى الله الوطن

*كاتبة متخصصة في الحوارات والسلم المجتمعي


مواضيع قد تهمك