د. خالد الحريرات البطوش : ومضات على هامش المونديال
الى جانب كل تلك المتعة التي جاد علينا بها مونديال كأس العالم لكرة القدم هذا الصيف، ومع كل ذلك الحماس والبهجة التي تمكنا من انتزاعها بفوز من أعجبنا او الحزن لخسارة من شجعنا، يبقى هناك إضاءات كانت تومض بها تلك النزالات بعيدا عن الرياضة ولكن من خلالها، وكأنها ساحات محجوبة عن الملاعب ولكنها ظهرت في فضائها، ولعل هذا جانب من سحر الكرة وعظمة الرياضة حين تخبرنا دون كلام وتحيطنا علما دون تقرير، كانت تلك الومضات في السياسة والدين والبحث عن الذات، لمعت في سماء الملاعب على هامش الكرة المقذوفة بقوة وسرعة ومهارة.
في السياسة، ورغم حرص الجهات المنظمة على تنقية الرياضة من عُقد السياسيين، وتخليص الالعاب من توتر العلاقات الدولية، الا ان مناصرة قضايا سياسية بعينها تسربت الى الملاعب والمدرجات باظهار التعاطف او ادانة موقف او الانحياز الى عدالة قضية، فقد رأينا علم فلسطين يرفرف بين ايدي لاعبين ومدربين، وشاهدنا احتجاجات مكتوبة على مواقف سياسية دولية منها من سيادة جزر (ملفيناس).
وبعيدا عن المعابد، ظهر الدين في الملاعب مجردا من الطقوس، ولاح في حركات فردية وعفوية احيانا قبل الدخول الى الملاعب وغالبا بعد تسجيل الاهداف، لم يكن هناك انتظام او نمطية في الاشارات الدينية، فقد كان يلجا اليها لاعب ويمتنع عنها اخر من ذات الطائفة الدينية، وكانت تؤدى احيانا في حركة جماعية او تنحصر في لمسة فردية، وكالعادة ثار الجدل حول جدوى الصلوات في ميدان تحاكم فيه القوة البدنية والمهارة، ويختبر فيه سبق الاستعداد والتمرين وليس الخشوع والايمان، ولعل ما صرح به مدرب المنتخب الاسباني يدفع ذلك الجدل الى جوهر طبيعة الرياضة والى عمق الفهم البشري للايمان، يقول لويس لافوينتي: انه يصلي كل يوم، لكنه يرفض الدعاء من اجل الفوز، ويرى انه من غير العادل ان يطلب من الله مساعدته هو دون خصمه؛ فيما يرى اخرون ان الاستئناس بما يعتقد انه يجلب الحظ يريح الشخص، وان التيمن بالاشارات الدينية قبل البدء او بعد الانجاز يشعر الرياضي بالرضا، وعند هذا المستوى من التفاؤل والسكينة، ما البأس في إشارة دينية يطمئن اليها قلب اللاعب وسط اجواء مشحونة بالتوتر والقلق؟!
ومضة اخرى يظهر فيها الوشم، فحقن الاصباغ تحت ادمة جلد المشاهير يشعل الاهتمام ويجدد الولع به وقد يدفع المشجعين الى التقليد، وبالرغم من قدم تمرد الانسان على شكل جسده، الا ان القبول الاجتماعي للوشم لم يكن على وتيرة واحدة عبر العصور، فقد تعرض عشاقه للنبذ في مراحل زمنية متفاوتة ولا يزال قبوله مختلفا من مكان الى آخر، ولكن انتشاره اليوم بين الفنانين واللاعبين يوسع دائرة التسامح مع اختياره، وفي جميع الاحوال يبقى الوشم خيارا شخصيا وآلية للتعامل مع الذات، يتوسل به اللاعبون للتواصل غير اللفظي للتعبير عن رغبة جامحة للتفرد او لتخليد ذكرى، وقد يكون تقديرا رمزيا لميل او اعتقاد، كما قد يكون تعبيرا عن الخلاص من ألم او مجرد بوح جسدي بالفخر والاعتزاز بالقوة، وبالرغم من ان الوشم ليس خيارا لجميع الرياضيين، لكنه ايضا لم يعد نشازا ولا يمكن فهمه كتعبير عن اضطراب، ويبقى الرياضيون عينة صادقة من المجتمع لهم تجاربهم الخاصة ولديهم اسرارهم، قد يختارون البوح بها في رموز موشومة على اجسادهم، وقد يفضلون كتمانها، وفي المحصلة لا يمكن تعميم خيار الوشم على الرياضيين او ربطه بالمواهب الرياضية، كما لا يجوز انكاره على من يختاره منهم.