اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسماعيل الشريف : السلاح الذهبي

اسماعيل الشريف : السلاح الذهبي
أخبارنا :  

ووضعُ الندى في موضع السيف بالعُلا.. مضرٌّ، كوضع السيف في موضع الندى - المتنبي.

استندت العقوبات الاقتصادية الخانقة المفروضة على إيران، وما رافقها من توتر متصاعد مع الولايات المتحدة، إلى البرنامج النووي الإيراني، الذي غدا المبرر المعلن للحرب الأميركية الصهيونية عليها. غير أن الأمر لم يعد مقتصرًا على هذا الملف؛ إذ برز عامل آخر لا يقل أهمية، هو سعي إيران إلى تكريس سيطرتها على مضيق هرمز، الذي بات يتصدر أولوياتها، متقدمًا حتى على برنامجها النووي. ويبدو أن طهران مستعدة للمضي في هذا المسار حتى النهاية، والمخاطرة بكل شيء في سبيل تثبيت نفوذها على المضيق.

ولا يخفي الإيرانيون أن مضيق هرمز يمثّل «سلاح إيران الذهبي»، وأنه ورقة استراتيجية لا تنوي التخلي عنها. بل تسعى طهران إلى تجاوز استخدامه أداةً مؤقتة للضغط، وتحويل سيطرتها عليه إلى سلطة مؤسسية راسخة ودائمة، تفرض من خلالها واقعًا جديدًا في واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم.

وتدرك إيران أن ورقة المضيق هي التي أجبرت الولايات المتحدة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بعد نجاحها في إغلاقه. وجّه إبراهيم عزيزي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، رسالة إلى واشنطن قال فيها: اعترفوا بالنظام الإيراني الجديد في مضيق هرمز؛ فهذا هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا.

وكان الغموض الذي اكتنف مذكرة التفاهم الموقّعة في 17 حزيران سببًا رئيسيًا في التصعيد الأخير. فقد نصّت المادة المتعلقة بمضيق هرمز على أن إيران «ستتخذ الترتيبات اللازمة، مستخدمةً أفضل جهودها، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم، ولمدة ستين يومًا فقط».

وقد فسّر الإيرانيون هذه الصياغة على أنها اعتراف أميركي بحق إيران في إدارة المضيق، وإن كان ذلك من دون فرض رسوم خلال الشهرين المحددين في المذكرة. غير أن الولايات المتحدة ترفض هذا التفسير، وترى أن النص لا يتجاوز إلزام إيران بالسماح للسفن التجارية بالمرور الآمن، من دون أن يمنحها أي سلطة إدارية دائمة على المضيق.

وكان هذا التباين في تفسير المادة الشرارة التي أشعلت المواجهة الحالية، ولا سيما بعد أن أطلقت إيران النار على سفن تجارية. وهكذا تحوّل خلاف في تفسير نص غامض إلى مواجهة عسكرية متجددة، تتجاوز في آثارها الطرفين المتحاربين لتهدد أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.

وتنظر إيران إلى مضيق هرمز بوصفه ورقتها التفاوضية الأخيرة؛ فهي تعتقد أن خسارة هذه الورقة تعني خسارة كل شيء، وأنه لن يبقى لديها بعد ذلك ما تخسره، حتى لو أدى تمسّكها بها إلى إثارة غضب دول المنطقة، وإلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد العالمي.

وتراهن طهران على أن «سلاحها الذهبي» قادر على إجبار واشنطن على العودة إلى طاولة المفاوضات. كما تعتقد أن تقديم أي تنازلات في الترتيبات المتعلقة بمضيق هرمز قد يدفع الرئيس ترامب إلى مزيد من التشدد في سائر ملفات التفاوض، انطلاقًا من أن التراجع في هذه القضية سيُفسَّر أميركيًا بوصفه ضعفًا يمكن استثماره لانتزاع تنازلات إضافية.

وبموجب مذكرة التفاهم، تراجعت أولوية الملف النووي، الذي كان المبرر الرئيس للحرب، ليصبح قضية ثانوية مقارنة بملف مضيق هرمز.

تصرّ واشنطن على رفض أي ترتيب يمنح إيران رسميًا سلطة إدارة أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، والذي كان يعبره يوميًا، قبل اندلاع الحرب، نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز.

والنتيجة، حتى الآن، هي تجدّد الحرب، في ظل اعتقاد كل طرف أن الوقت يعمل لصالحه، ومن دون أن يلوح في الأفق، حتى هذه اللحظة، ما يدفع أيًّا منهما إلى التراجع. فإيران تراهن على قدرة المضيق على مضاعفة الضغوط الاقتصادية والسياسية على خصومها، بينما تراهن الولايات المتحدة على أن استمرار المواجهة سيستنزف طهران ويدفعها في النهاية إلى القبول بشروط أقل.

يتكرر اليوم سيناريو العراق؛ فكما منع الرئيس الأميركي بوش الأب آنذاك الكيان الصهيوني من المشاركة في الحرب، بعدما أمطرت صواريخ الرئيس صدام حسين تل أبيب، لم تعد الحرب على إيران اليوم حربًا أميركية صهيونية مشتركة، بل غدت حربًا أميركية خالصة، بعدما أصبحت المصالح الأميركية نفسها على المحك.

وتسعى واشنطن إلى تقديم هذه الحرب بوصفها مواجهة بين إيران والعالم، وفي مقدمته العرب السنّة، وأعتقد أنها تنجح في ذلك. فبالطريقة التي تدير بها إيران حربها اليوم، وبما تفرضه من تهديدات على دول المنطقة ومصالحها واقتصاداتها، فإنها تكرّس في الوعي الإقليمي فكرة مفادها أن الخطر الإيراني يوازي الخطر الصهيوني.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك