رمزي الغزوي: ما لن تتقنه الآلة
حين يكتب الواحد منا لا يضع كلمات على ورق أو شاشة. إنه يترك جزءا من حياته وروحه. كل جملة خرجت من قلب حقيقي تحمل طيفا لا تراه العين: خوفا قديما، أو فرحا نجا من النسيان، أو ندبة لم تلتئم بعد. لهذا لا تشبه الكتابة صناعة الأثاث أو خبز المعجنات، ولا جمع المعلومات، ولا ترتيب الأفكار. هي طريقة الإنسان في أن يترك نبضه خارج جسده.
لهذا يبدو زمن الذكاء الاصطناعي حدثا استثنائيا في تاريخ الكتابة. للمرة الأولى لا ينافس الكاتب كاتبا آخر، وإنما ينافس عقلا لا يتعب، ولا ينسى، ولا يحتاج إلى سنوات كي يتعلم، ويستطيع أن ينتج آلاف الصفحات في الوقت الذي يحتاج فيه الكاتب إلى فنجان قهوة كي يعثر على الجملة الأولى.
اليوم أصبحت الآلة تكتب المقال، وتلخص الكتاب، وتقترح الحبكات، وتبتكر الشخصيات، وتصحح اللغة، وتعيد بناء النص في ثوان. وسوف تصبح أكثر إتقانا مع كل يوم. هذه حقيقة لا جدوى من إنكارها، لأن التقنية لا تنتظر من يخشاها.
ومع هذا كله، يبقى في الكتابة شيء لا يخضع للخوارزميات. فالآلة تعرف كيف تصف الفقد، ولا تعرف كيف تفقد. تستطيع أن تتحدث عن الحب، ولا تعرف ارتباك القلب حين يلتقي من يحب. تستطيع أن تبني خطابا عن الموت، ولا تعرف ذلك الصمت الذي يسبق دمعة وحيدة على سرير أم فقدت ابنها. هناك مسافة لا تقاس بالمعلومات، وإنما بالحياة نفسها.
حين نقرأ الأعمال الأدبية الخالدة التي بقيت عبر القرون، لا نبقى مع اللغة وحدها. نبقى مع الإنسان الذي عاش في تلافيفها. نقرأ ونحس الخوف، والجوع، والمنفى، والخذلان، والانتصار، كما لو أنها ما زالت تحدث الآن عينا لعين. النص العظيم لا يعيش بسبب مفرداته، وإنما بسبب الروح التي سكنت بين سطوره، وهذه الروح لا تستعار، ولا تبرمج، ولا تولد داخل معالج إلكتروني.
هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي عدو للكاتب. الأغلب أنه سيصبح رفيقه الجديد. سيبحث، ويرتب، ويقترح، ويختصر المسافات، فيما يبقى الكاتب صاحب الرؤية، وحارس النبرة، واليد التي تعرف متى تبدأ الجملة، ومتى تصمت. سوف يولد شكل جديد من الكتابة، تمتزج فيه سرعة الآلة ببطء التأمل، ودقة الحاسوب بفوضى القلب، فتتغير أدوات الإبداع، ويبقى الإبداع نفسه.
كل عصر غيّر شكل الكتابة، ولم يستطع أن ينتزع منها جوهرها. تغيرت الأقلام، ثم المطابع، ثم الشاشات، وها هي الخوارزميات تدخل الغرفة نفسها. غير أن السؤال لم يكن يوما بأي أداة نكتب، وإنما من الذي يكتب في داخلنا.
لربما تتقن الآلة كل شيء ذات يوم. كأن تتعلم الإيقاع، والاستعارة، وبناء الشخصيات، وحتى تقليد أكثر الأساليب فرادة. ولكن يبقى شيء واحد عصيا على النسخ والتنميط: ذلك الكائن الذي ينكسر، ويحب، ويخسر، ويغفر، ثم يجلس في دهليز الليل ليحول حياته كلها إلى جملة واحدة. هناك تبدأ الكتابة.. وهناك تنتهي قدرة الآلة.