اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رائد العورتاني : عندما تتحول المحاكم الشرعية إلى مرآة لأوجاع المجتمع

رائد العورتاني : عندما تتحول المحاكم الشرعية إلى مرآة لأوجاع المجتمع
أخبارنا :  

بقلم : رائد العورتاني


اليوم كنت في المحكمة الشرعية ولم يكن المشهد عادياً، في أروقة المحكمة وقاعات الانتظار، عشرات الفتيات، بل مئات الوجوه الشابة، تتراوح أعمار معظمهن بين العشرين والثلاثين عاماً، فتيات كن قبل سنوات قليلة يرتدين فساتين الزفاف، واليوم يحملن ملفات القضايا.


إحداهن جاءت لرفع دعوى نفقة زوجة، وأخرى تطالب بنفقة طفل، وثالثة في قضية شقاق ونزاع، وأخريات ينتظرن أدوارهن في قضايا الطلاق والتفريق والحضانة وغيرها من النزاعات الأسرية.


مشهد مؤلم يترك في النفس أسئلة أكبر من أن تجيب عنها أوراق المحاكم.


وقفت إلى جانب صديق يعمل محامياً شرعياً، وسألته؟ لماذا أصبحت هذه المشاهد تتكرر بهذا الشكل ولماذا هذا العدد الكبير من البيوت التي تصل إلى طريق مسدود؟


أجابني بكلمات تستحق التأمل فقال، الكثير من هذه البيوت تفتقد إلى وجود رجل حكيم، أو كبير عائلة، أو شخص عاقل يتدخل لإصلاح ذات البين قبل أن تتفاقم الخلافات، في السابق كانت المشكلات تُعالج داخل الأسرة، أما اليوم فأصبح أول الطريق هو المحكمة.


قبل سنوات لم تكن هذه المفاهيم حاضرة بهذا الشكل، وكانت الأسرة تعتمد على الحوار، وعلى تدخل العقلاء من الأهل، وكان كل من الزوج والزوجة يدرك أن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات، أما اليوم فيرى كثيرون أن أول ما يُطرح عند وقوع أي خلاف هو النفقة، أو الشقاق والنزاع، أو الطلاق، حتى أصبح اللجوء إلى القضاء في بعض الحالات أسرع من اللجوء إلى لغة التفاهم والإصلاح.


من وجهة نظري، شهد مجتمعنا خلال السنوات الأخيرة دخول مفاهيم وتشريعات جديدة إلى المنظومة الأسرية، ويرى كثيرون أنها لم تنسجم مع طبيعة مجتمعنا وقيمه، ومن بين أكثر ما يثار حوله الجدل اتفاقية "سيداو” والتوسع في بعض التشريعات المتعلقة بحماية الأسرة، إذ يعتقد البعض أنها، وإن جاءت بشعارات حماية الحقوق، أسهمت في إضعاف مفهوم الأسرة التقليدي، وشجعت على نقل الخلافات الزوجية سريعاً إلى أروقة المحاكم بدلاً من السعي إلى الإصلاح داخل البيت.


قد يختلف البعض مع هذا الرأي أو يتفق معه، لكنه بلا شك يسلط الضوء على جانب مهم، وهو تراجع دور الإصلاح الأسري، وضعف الحوار، وغياب المرجعيات العائلية التي كانت تحتضن الخلافات قبل أن تتحول إلى خصومات قضائية.


ولا يمكن في الوقت نفسه أن نحصر أسباب الطلاق في عامل واحد، فهناك ضغوط اقتصادية خانقة، وسوء اختيار، وغياب المسؤولية، وتدخلات خارجية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي والعنف الأسري، وضعف الوعي بحقوق وواجبات الزوجين، إنها منظومة كاملة من الأسباب لا سبب واحداً.


والمؤلم أكثر أن الضحية في كثير من الأحيان هم الأطفال، الذين يدفعون ثمن خلاف لم يكونوا طرفاً فيه، فينشأ بعضهم بين المحاكم وأحكام النفقة، بعيداً عن دفء الأسرة واستقرارها.


ثم سألت صديقي سؤالاً آخر:

لماذا اخترت أن تكون محامياً شرعياً؟ أليس هذا المجال مليئاً بالتعب والمشكلات اليومية؟


إن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وإذا تصدعت الأسرة، فلن يبقى المجتمع بمنأى عن آثار ذلك، لذلك فإن معالجة هذه الظاهرة لا تبدأ من المحكمة، بل تبدأ من التربية، وحسن الاختيار والحوار والاحترام المتبادل وتعزيز ثقافة الصبر والإصلاح مع عدم التساهل في معالجة المشكلات التي تستدعي حماية أحد الطرفين أو الأطفال، فالمحاكم يجب أن تكون آخر الحلول لا أولها.


وما رأيته اليوم لم يكن مجرد ازدحام في ممرات المحكمة الشرعية، بل كان ازدحاماً بالقصص المؤلمة، والأحلام التي انكسرت، والبيوت التي كانت تتمنى أن تبقى عامرة بالمودة والرحمة، فإذا بها تبحث عن نهاية قانونية لعلاقة كان من المفترض أن تبنى على السكن والمودة والرحمة، ومن المؤسف أن جزءاً من ثقافة الحياة الزوجية بدأ يتغير بصورة تستحق الوقوف عندها، فالزوج في الأصل ليس خصماً لزوجته، بل هو سندها وأمانها، كما أن الزوجة ليست منافسة لزوجها، بل شريكة حياته وسكنه، وعندما يفقد كل طرف هذه القناعة تبدأ الأسرة بالتصدع.


قبل سنوات كانت الأسر تعتمد بدرجة كبيرة على الحوار وعلى تدخل العقلاء من الأهل لإصلاح ذات البين، وكانت المرأة والرجل يدركان أن الحقوق تقابلها واجبات، وأن استقرار البيت مسؤولية مشتركة، أما اليوم فيرى كثيرون أن لغة المحاكم أصبحت حاضرة في بعض البيوت منذ أول خلاف، فأصبحت كلمات مثل النفقة والشقاق والنزاع والطلاق تتردد بسرعة وكأنها الخيار الأول لا الأخير.


ولا يعني ذلك التقليل من أهمية وجود قوانين تحمي من يتعرض للظلم أو العنف، فهذه ضرورة لا خلاف عليها، لكن تبقى القوانين علاجاً عند وقوع المشكلة، وليست بديلاً عن بناء أسرة تقوم على المودة والرحمة والاحترام المتبادل، فالقانون يحسم النزاع لكنه لا يصنع أسرة مستقرة، ولا يعيد دفء بيت فقد أهله لغة الحوار والتفاهم، فالمجتمع لا ينهض إلا بأسرة مستقرة، تقوم على المودة والرحمة والاحترام، لا على تحويل العلاقة الزوجية إلى نزاع قانوني عند أول خلاف.


مواضيع قد تهمك