د. خالد الشقران : نظام المعلومات الوطني والسيادة الرقمية
تدخل الدول اليوم مرحلة جديدة من المنافسة عنوانها البيانات والمعرفة الرقمية، حيث أصبحت محركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي المصدر الأول الذي يلجأ إليه ملايين الأشخاص عبر العالم للحصول على المعلومات، وأصبحت الصورة الذهنية عن الدول تتشكل من خلال ما تعرضه هذه الأنظمة من بيانات وتحليلات ومحتوى رقمي. وفي هذا الواقع المتغير، يبرز نظام المعلومات الوطني باعتباره أحد أهم مشاريع البنية التحتية الرقمية التي تضمن أن تكون المعلومات المتعلقة بالأردن دقيقة وموثوقة ومحدثة، وأن تصل إلى العالم من مصدرها الأصيل وحسب الرواية الرسمية للدولة.
لقد أصبحت المنافسة الدولية تمتد إلى امتلاك المرجعية الرقمية الأكثر موثوقية، تماماً كما تمتد إلى الاقتصاد والابتكار والتكنولوجيا، وعليه فإن الدول التي تنجح في تنظيم بياناتها وتحديثها وإتاحتها وفق معايير عالمية سوف تمتلك قدرة أكبر على حماية صورتها، وترسيخ سرديتها الوطنية، وتعزيز ثقة المستثمرين، ورفع مستوى حضورها في البيئة الرقمية العالمية.
وفي هذا الإطار يمتلك الأردن رصيداً كبيراً من الإنجازات في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، إلى جانب منظومة متقدمة من التشريعات والمؤشرات والإحصاءات الرسمية، إلا أن هذه البيانات ما تزال موزعة بين مؤسسات متعددة وقواعد معلومات منفصلة، الأمر الذي يحد من حضورها الرقمي ويقلل من فرص اعتمادها مرجعاً رئيسياً لمحركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي.
ولأن العالم يشهد تحولاً متسارعاً من محركات البحث التقليدية إلى منصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تقديم الإجابات المباشرة للمستخدمين تستند خلالها المنصات إلى البيانات والمصادر المتاحة عند إنتاج المعرفة، فكلما كانت المعلومات الوطنية أكثر تكاملاً وتنظيماً وتحديثاً، ازدادت قدرة هذه الأنظمة على تقديم صورة صحيحة عن الأردن ومؤسساته وسياساته ومواقفه ومجتمعه واقتصاده وفرصه الاستثمارية.
ويمثل نظام المعلومات الوطني أحد أهم أدوات تعزيز السيادة الرقمية، لأنه يمنح الدولة القدرة على إدارة حضورها المعرفي في الفضاء الرقمي، ويجعل المعلومات الرسمية هي المرجعية الأساسية التي تستند إليها الخوارزميات عند معالجة الأسئلة المتعلقة بالأردن، كما يسهم في بناء صورة ذهنية دقيقة لدى الباحثين والمستثمرين ووسائل الإعلام والمؤسسات الدولية، ويعزز الثقة بالمحتوى الوطني.
وتتضاعف أهمية هذا النظام خاصة في مواجهة المعلومات المغلوطة والشائعات، حيث أن إتاحة المعلومة الرسمية السريعة والمنظمة للجميع تمثل الوسيلة الأكثر فاعلية للحد من انتشار الأخبار الكاذبة أو غير الدقيقة، كما أن وجود قاعدة وطنية موحدة للبيانات يضيّق مساحة الاجتهادات غير المهنية، ويمنح وسائل الإعلام والباحثين والجمهور مرجعاً موثوقاً يمكن العودة إليه عند التحقق من المعلومات.
وتكتسب هذه المسألة بعداً أكثر أهمية في ظل اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على المحتوى المنشور رقمياً عند توليد الإجابات، فإذا كانت البيانات الوطنية ناقصة أو قديمة أو يصعب الوصول إليها، فإن تلك الأنظمة ستلجأ إلى مصادر أخرى قد تكون غير دقيقة أو غير مكتملة أو ربما تحمل معلومات مشوهة أو مغلوطة، وهو ما ينعكس على الصورة الرقمية للدولة، ويؤثر في فهم العالم لواقعها وإنجازاتها ومواقفها.
وفي هذا السياق يمكن استحضار السردية الوطنية بوصفها أحد أهم المجالات التي تحتاج إلى نظام معلومات وطني متكامل، فالرواية الأردنية المتعلقة بتاريخ الدولة، ودورها الإقليمي، ومنجزاتها التنموية، وثوابتها السياسية، وقيمها الوطنية، تحتاج إلى قواعد بيانات رقمية حديثة ومنظمة، تتيح لمحركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي الوصول إلى الحقائق من مصادرها الأصلية، وتمنع ترك المجال للمحتوى غير الموثق أو الروايات المنحازة أو المعلومات الكاذبة لتشكيل الوعي الرقمي حول الأردن.
ويمتد أثر هذا النظام إلى دعم الاقتصاد الرقمي، وتعزيز الشفافية، وتحسين جودة الخدمات الحكومية، وتمكين الباحثين ورواد الأعمال من الاستفادة من البيانات الرسمية في تطوير التطبيقات والخدمات الرقمية، كما يوفر لصانع القرار قاعدة معرفية متكاملة تدعم التخطيط الاستراتيجي، وقياس الأداء، واستشراف التحديات والفرص المستقبلية.
ويستطيع الأردن، بما يمتلكه من خبرات في مجال التحول الرقمي، أن يؤسس نظام معلومات وطنياً يربط قواعد البيانات الحكومية ضمن منصة موحدة تعتمد معايير البيانات المفتوحة، والبيانات الوصفية، وقابلية التكامل بين المؤسسات، مع تحديث مستمر للمعلومات وإتاحتها بصورة تسهل فهرستها من قبل محركات البحث والاستفادة منها من قبل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
في المحصلة، يمثل نظام المعلومات الوطني استثماراً استراتيجياً في مستقبل الأردن الرقمي، وأحد مرتكزات الأمن المعلوماتي والسيادة الرقمية، فكل معلومة دقيقة تنشر عبر هذا النظام تعزز الثقة، وكل قاعدة بيانات محدثة تدعم صناعة القرار، وكل مصدر رسمي متاح يحد من تأثير الشائعات، ويضمن أن تبقى الرواية الوطنية حاضرة في الفضاء الرقمي، وقادرة على الوصول إلى الإنسان ومحركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي بالمستوى ذاته من الدقة والموثوقية وبما يتوافق مع الرواية الوطنية.
ــ الراي