نادية سعد الدين : فتاوى "التسويق" الصهيوني
لطالما ارتبط المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين المحتلة بفتاوى حاخامية مُسيسة ذات قوالب جاهزة لإضفاء «المشروعية» الدينية والتاريخية المزعومة على جرائمه التوسعية، والترويج له، وتبرئته من نزعات العنف والتطرف والعدوان، في إطار خطاب توراتي زائف برز داخل الكيان المُحتل، نتيجة آثار عملية «طوفان الأقصى»، كبديل لما يعانيه أفراده من فراغٍ أيديولوجي ناجم عن اهتزاز القناعة العقيدية بالوجود اليهودي، ما تعكسه أرقام «الهجرة المُعاكسة» المُطردة.
ولأهمية دورهم في عملية «التسويق» الصهيوني؛ تم منح «الحاخامية الرئيسية» مُبكراً صلاحيات واسعة بوصفها المحكمة الدينية العليا، يتبع لها حاخامية عسكرية مسؤولة عن إدارة الأنشطة الدينية بجيش الاحتلال، ومدارس دينية عسكرية وكلية عسكرية خاصة بالمتدينين واسمها «أورعتسيون». إلا أن المفارقة هنا تكمن في عدم التزام بعض العاملين داخلها كثيراً بالدين، بينما لا يؤيد بعضهم الصهيونية وقيام الكيان المُحتل، أو يعتبر أن عمله مصدر رزق وليس رسالة، كما أن قلة منهم يرسلون أبناءهم للخدمة العسكرية.
وينتج ذلك عند الولوج الديني في خضم مؤسسة عسكرية تتبع «دولة» تصف نفسها بالعلمانية، مما يشي عن توافق بين القادة العسكريين والزعماء الدينين حول الأهداف الاستعمارية الاستيطانية، فأسطورة التوراة بما تحمله من مضامين نصية تُقدم المبرر المثالي للممارسات العدوانية التي يقوم بها رجال الجيش وتسبغ الشرعية على أعمالهم المتطرفة، أسوة بمشاركة الحاخامية العسكرية في حرب الإبادة الجماعية الصهيونية ضد قطاع غزة، وإصدارها فتاوى تبيح قتل الفلسطينيين وتدمير غزة بالكامل وإعادة استيطانها.
وتتنوع فتاوى الحاخامات وفق الحالة والمكسب المُنتظر، ولكنها تدور ضمن أساطير «رسالتهم الإلهية» الخالدة و»الشعب المختار» و»أرض الميعاد»؛ بحيث يضحى كل ما يحيط بالكيان المُحتل من أحداث أو مُتغيرات رهيناً لديهم بتفسيرات توراتية وتلمودية مزعومة، أسوة بتوتر العلاقة مع واشنطن التي اعتبرها الحاخام السفاردي الأكبر السابق «إسحاق يوسف» «عقاباً إلهياً» نظير محاولات تجنيد طلبة المعاهد الدينية رغم إعفائهم منذ عهد الصهيوني «ديفيد بن غوريون» حتى يتفرغوا لدراسة التوراة. وهذه القضية تعد شائكة مع التظاهرات الاحتجاجية التي يقودها كبار الحاخامات الذين تعتبر أقوالهم مرجعاً دينياً لأتباعهم المتشددين من «الحريديم» المقدرين بنحو 13 % من إجمالي عشرة ملايين نسمة، أغلبهم لا يمت بصلة للمدارس الدينية، ولكنهم يتخذونها وسيلة للهروب من الخدمة العسكرية.
في حين تحظى الفتاوى الحاخامية التحريضية بموقع الغلبة؛ حيث يتم هنا استحضار النصوص التوراتية العنصرية والتوسعية لإباحة القتل والعنف، مثل استدعاء «حرب العماليق» في فتاوى حاخامات «الصهيونية الدينية»، لاسيما الحاخامان «دوف ليئور» و»شموئيل إلياهو»، التي لعبت دوراً بارزاً في كبح الهدنة ومواصلة خروقات الاحتلال لوقف إطلاق النار في قطاع غزة. أما ما قبل ذلك؛ فقد دمجت الفتاوى نتائج عدوان 1967 بفكرة «المُعجزة» و»الخلاص الديني» كما طورها أتباع الحاخام «أبراهام كوك» (1865-1935) مؤسس تيار «الصهيونية الدينية»، إزاء السيطرة على أهم المواقع التي يعتقد اليهود بقدسيتها الدينية بالنسبة لهم. وهذا الأمر انسحب على نتائج حرب 1973 بطريقة مُعاكسة عبر تفسير الإخفاق نتيجة الابتعاد عن التوراة، وفق مزاعمهم.
ومنذ ذلك الحين، أخذت السياسة الصهيونية تتحول إلى مزيج من العنصرية العلمانية والفتاوى والشعارات الدينية القومية لمواجهة قضايا الصراع العربي - الصهيوني، ذلك لأن أشد الصهاينة علمانية يدركون أن الكنيس (المعبد اليهودي) مكان توحيد اليهود وجمعهم. ويتبين ذلك عندما وصفت الحاخامية العسكرية العدوان على لبنان 1982 «بحرب يلهمها الرب»، موصية الجنود بقراءة النصوص الدينية الداعية إلى تدمير أعداء الاحتلال بالنار والعاصفة، ومُصدرة خريطة تزعم الحق في مساحات واسعة من جنوب لبنان على أنها «ميراث لإحدى قبائل إسرائيل الإثنتي عشرة «آشر»، وفق مزاعمها. فيما أصدرت بعد اتفاق «أوسلو» (1993) فتاوى تحرِم الانسحاب من «أرض إسرائيل» وتنزع الشرعية عن عملية التسوية، عدا سلسلة الفتاوى التي تصدر بعد كل إخفاق صهيوني أمام المقاومة في فلسطين المحتلة ولبنان، ما يعكس الربط بين مفهومي الأمن والعقيدة الدينية اليهودية التي تحض على استخدام القوة ضد الفلسطينيين والعرب.
وعندما تتحول العقلية العنصرية العدوانية لإطار مؤسسي؛ تضحى الفتاوى الحاخامية الزائفة جزءاً لصيقاً من الأيديولوجية الصهيونية المتطرفة، ومن المشروع الاستعماري الاستيطاني التوسعي، وليست نتاج عملية «طوفان الأقصى» كما يزعم البعض للتبرير.