د. رعد محمود التل : اقتصاد "الجوع" العالمي
تكشف أحدث بيانات البنك الدولي أن العالم لا يواجه اليوم أزمة نقص في إنتاج الغذاء بقدر ما يواجه أزمة متصاعدة في القدرة على الوصول إليه. فالمؤشرات الكلية للإنتاج الزراعي ما زالت مستقرة نسبيًا، إلا أن ارتفاع الأسعار، واستمرار النزاعات، والتغيرات المناخية، وضعف الدخول، حولت الغذاء من سلعة متاحة إلى سلعة يصعب الحصول عليها بالنسبة لملايين الأسر حول العالم.
ووفقًا لأحدث تقرير للبنك الدولي حول الأمن الغذائي والتغذية، ارتفع مؤشر أسعار السلع الزراعية العالمية بنسبة 3% منذ التحديث السابق، بينما ارتفع مؤشر أسعار الحبوب بنسبة 4%، وهو ما يعكس عودة الضغوط السعرية إلى الأسواق العالمية بعد فترة من الاستقرار النسبي. وفي المقابل، لم يكن الارتفاع ناتجًا عن انهيار في الإنتاج العالمي، وإنما عن اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والأسمدة، إضافة إلى استمرار النزاعات الجيوسياسية. كما لا تزال معدلات تضخم أسعار الغذاء المحلية مرتفعة في عدد كبير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، مما يضغط بصورة مباشرة على القوة الشرائية للأسر. وتشير البيانات إلى أن القدرة على تحمل تكلفة الغذاء أصبحت التحدي الأكبر أمام الأمن الغذائي العالمي. فالدول التي تعتمد على الاستيراد تواجه فاتورة غذائية أعلى، بينما تواجه الأسر ذات الدخل المحدود تراجعًا مستمرًا في قدرتها على شراء الغذاء الكافي والمتوازن.
وتبرز القارة الإفريقية بوصفها المنطقة الأكثر هشاشة، ففي شرق وجنوب إفريقيا يحتاج نحو 67 مليون شخص إلى مساعدات غذائية، بينما يشهد السودان أخطر الأوضاع مع وجود 14 منطقة معرضة لخطر المجاعة. وفي غرب ووسط إفريقيا تشير التقديرات إلى أن نحو 52.9 مليون شخص سيواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي خلال موسم الشح بين شهري يونيو وأغسطس 2026، وهو ما يعكس اتساع رقعة الأزمة بدلًا من انحسارها.
كما تؤكد المؤشرات أن النزاعات المسلحة أصبحت المحرك الأول لأزمات الغذاء عالميًا. فاستمرار الصراعات في السودان وغزة وأجزاء من الشرق الأوسط أدى إلى تعطيل الإنتاج الزراعي، وارتفاع تكاليف النقل، وتعطل التجارة، وازدياد أعداد النازحين، وهي جميعها عوامل ترفع أسعار الغذاء وتقلص الإمدادات المحلية. وإلى جانب النزاعات، ما تزال الظواهر المناخية المتطرفة، من جفاف وفيضانات وارتفاع درجات الحرارة، تؤثر بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي العالمي، خصوصًا في الدول منخفضة الدخل التي تعتمد بصورة كبيرة على الزراعة التقليدية.
ومن المؤشرات اللافتة في التقرير أن الضغوط لم تعد تقتصر على الدول الفقيرة فقط، إذ تظهر البيانات استمرار ارتفاع أسعار الغذاء المحلية في عدد كبير من الاقتصادات متوسطة الدخل، وهو ما يعني أن التضخم الغذائي أصبح ظاهرة عالمية تتجاوز حدود الدول منخفضة الدخل. ومع استمرار ارتفاع تكاليف الغذاء، تتراجع جودة الأنظمة الغذائية للأسر، وتتزايد معدلات سوء التغذية، حتى في الدول التي لا تعاني من نقص فعلي في الإمدادات الغذائية.
وتشير البيانات أيضًا إلى أن الأمن الغذائي أصبح أكثر ارتباطًا بالسياسات الاقتصادية الكلية. فاستقرار أسعار الصرف، وانخفاض معدلات التضخم، وتحسين كفاءة التجارة، والاستثمار في الزراعة، أصبحت عناصر أساسية لضمان الأمن الغذائي. كما أن ارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج الزراعي، ثم ينتقل إلى أسعار الغذاء النهائية التي يتحملها المستهلك.
وتبرز أهمية الاستثمار الزراعي بصورة أكبر عندما ننظر إلى حجم التحديات المستقبلية. فمع استمرار النمو السكاني، وارتفاع الطلب العالمي على الغذاء، وزيادة تأثيرات التغير المناخي، فإن الاقتصادات التي تستثمر في التكنولوجيا الزراعية، وإدارة المياه، وسلاسل الإمداد، ستكون أكثر قدرة على احتواء تقلبات الأسعار وتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي.
وتحمل هذه المؤشرات رسالة واضحة لصناع القرار، مفادها أن معالجة أزمة الغذاء لا تتم فقط من خلال زيادة الإنتاج، وإنما عبر تعزيز القدرة الشرائية للأسر، وتطوير شبكات الحماية الاجتماعية، والحفاظ على انسيابية التجارة الدولية، والاستثمار في الزراعة المستدامة، ورفع كفاءة سلاسل التوريد.
أرقام البنك الدولي تؤكد أن العالم دخل مرحلة جديدة من تحديات الأمن الغذائي، حيث لم يعد السؤال الرئيس هو: هل يوجد غذاء كافٍ؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: من يستطيع شراء هذا الغذاء؟ فاستقرار الإنتاج العالمي لم يعد كافيًا إذا استمرت الأسعار بالارتفاع، واستمرت النزاعات، واستمرت دخول الأسر في التآكل. لذلك، فإن مستقبل الأمن الغذائي العالمي سيعتمد بدرجة أكبر على السياسات الاقتصادية التي تعزز القدرة على الوصول إلى الغذاء، وليس فقط على السياسات التي تزيد من إنتاجه.