اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

البرفيسور حسن البرماوي : النموذج الأردني: من المدرج إلى المختبر… ومن الحماسة إلى السياسة العامة

البرفيسور حسن البرماوي : النموذج الأردني: من المدرج إلى المختبر… ومن الحماسة إلى السياسة العامة
أخبارنا :  

بقلم - البرفيسور- حسن البرماوي .

الوطن لا يُبنى بالصوت العالي وحده، ولا تُختزل الوطنية في لحظة انفعالية مهما كانت صادقة. الوطن يُبنى حين تتحول المشاعر إلى مؤسسات، وحين يصبح الهتاف خطة عمل، وحين تتحول اللحظة إلى منهج. ما شهده الأردن في ملاعب كأس العالم 2026 على الأراضي الأمريكية لم يكن مجرد احتشاد جماهيري، كان إعلاناً ميدانياً عن ولادة معادلة جديدة في الاقتصاد السياسي للانتماء، معادلة تقول إن رأس المال البشري حين يُنظّم ويُلهم، يصبح أثمن من كل الموارد.


جمال السلامي لم يأتِ إلى عمّان في يونيو 2024 ليُدرّب منتخباً لكرة القدم، جاء ليختبر فرضية في علم الإدارة: أن العدل هو أقصر طريق إلى الوحدة، وأن الكفاءة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع. الرجل الذي يحمل رخصة UEFA Pro، والذي قاد المغرب للتتويج بأمم أفريقيا للمحليين 2018 والرجاء للقب الدوري 2019-2020، لم يستنسخ تجربته السابقة. قرأ الواقع الأردني، وفهم أن المشكلة لم تكن في الموهبة، بل في المعيار. فوضع خطة 3-4-2-1 تكتيكياً، ووضع معياراً أخلاقياً قبلها: من يعطي للراية، يأخذ مكانه في التشكيلة. وهكذا دخل موسى التعمري ويزن النعيمات وعلي علوان ويزن العرب ونور الروابدة ويزيد أبو ليلى، ليس لأنهم أبناء مدينة دون أخرى، بل لأنهم أبناء الميدان. النتيجة الأولى كانت فنية: أول تأهل تاريخي إلى كأس العالم 2026. والنتيجة الأعمق كانت اجتماعية: كل بيت أردني صار يرى نفسه ممثلاً في المنتخب، وكل شاب صار يؤمن أن الطريق إلى القمة يمر بالعمل لا بالواسطة.


هذا التحول الداخلي كان الشرط اللازم، لكنه لم يكن كافياً. الشرط الكافي جاء من خارج الحدود، من "جيش الأردن الناعم" في الولايات المتحدة. حين لعب المنتخب في مونديال 2026، لم يكن الملعب في هيوستن أو سانتا كلارا أو دالاس مجرد منشأة رياضية، كان منصة عرض متكاملة للهوية الأردنية. الأردنيون جاؤوا من كل الولايات. ترك الطبيب في ميشيغان عيادته، وأغلق صاحب المطعم في كاليفورنيا محله، وأجّل المهندس في تكساس مشروعه، ودفعوا 900 دولار ثمن تذكرتين و700 دولار للطيران الداخلي، لا ليشاهدوا مباراة، بل ليشاركوا في صناعة رواية. خسروا أمام الجزائر بهدفين لهدف، لكنهم ربحوا معركة الصورة. لأنهم قدموا للعالم منتجاً أردنياً غير تقليدي: "الانضباط التطبيقي". رجال الأمن الأمريكي لبسوا الشماغ ورفعوا العلم على دورياتهم الرسمية، ليس مجاملة، بل احتراماً لجمهور هتف تسعين دقيقة ثم نظّف مدرجات ملعب Levi’s Stadium قبل أن يغادر. هذا السلوك هو ما تسميه مراكز الفكر "الدبلوماسية الشعبية"، وهو النوع الأندر من رأس المال، لأنه لا يُشترى ولا يُستأجر، بل يُكتسب بالقدوة.


وهنا يظهر البعد الاقتصادي للظاهرة. الجالية الأردنية في أمريكا التي معظمها من الأطباء والمهندسين والأساتذة ورجال الأعمال، لم تكتفِ بالتشجيع. حوّلت كل مباراة إلى "معرض أردن مصغّر". جلبت الزملاء الأمريكيين إلى المدرجات، وشرحت لهم من هو الأردن، ما قصته، لماذا يستحق أن يُحترم. آلاف المقاطع المصورة لطفل يوزع الماء، لسيدة تعلّم أمريكياً معنى كلمة "نشامى"، لشاب يبكي مع النشيد، صنعت ما عجزت عنه ميزانيات الترويج. هذا هو "التسويق بالقدوة"، وهو يخلق ما يسميه الاقتصاديون "الأثر المضاعف غير المباشر": تحسين صورة البلد يرفع ثقة المستثمر، ويزيد الإقبال السياحي، ويفتح الأبواب للخريج الأردني في سوق العمل العالمي. الأردن الذي لا يملك موارد طبيعية ضخمة، اكتشف أن لديه مورداً بشرياً إذا أُحسن توجيهه، يتحول إلى أصل استراتيجي.


إن الرسالة التي يجب أن تصل إلى صانع القرار، وإلى كل مواطن، وإلى العالم، هي أن ما حدث ليس حالة عاطفية عابرة، بل نموذج قابل للتكرار والتوسيع. السلامي وحّدنا بالعدل الفني، والمغتربون سوّقوا لنا بالسلوك الحضاري. المعادلة مكتملة: قيادة تؤمن بالكفاءة، وشعب يلتف حول الإنجاز، وجاليات تتحول إلى وزارة خارجية شعبية. المطلوب الآن هو الانتقال من "إدارة اللحظة" إلى "هندسة المستقبل". أن نؤسس "مجلس الكفاءات المغتربة" لربط هذا الجيش الناعم بمشاريع الطاقة والمياه والتكنولوجيا في الداخل. أن نُدخل "الدبلوماسية الرياضية" في صلب السياسة الخارجية، لأن مباراة أمام الأرجنتين يشاهدها مليار إنسان هي فرصة ترويجية لا تقدر بثمن. أن نعيد هيكلة خطابنا العام بحيث يصبح "المنتج الأردني" مرادفاً للجودة والانضباط، من الملعب إلى المصنع إلى الجامعة.


الوطنية الجديدة ليست نقيضاً للوطنية القديمة، هي تحديث لها. ليست خطاباً ضد أحد، بل خطة مع الجميع. لا تحتاج إلى هدم، بل إلى بناء على ما هو موجود. الأردن الذي وقف موحداً في المدرج يستطيع أن يقف موحداً في ورشة العمل. والشباب الذي دفع من جيبه ليهتف للنشامى، مستعد أن يدفع من جهده ليبني اقتصاداً إذا وجد البيئة العادلة التي وجدها لاعبو المنتخب. هذا هو الدرس العلمي والاقتصادي الذي يجب أن يُكتب في تقارير التنمية لا في المقالات الانفعالية: الثقة هي العملة الأصعب، وحين تُسك، لا تعرف التضخم.


العالم اليوم لا يحترم الدول التي تصرخ، يحترم الدول التي تنتج. السلامي أنتج منتخباً، والجالية أنتجت صورة، والشعب أنتج أملاً. وبين الثلاثة وُلدت "المدرسة الأردنية في الانتماء": أن تحب بلدك فتتقن عملك، أن تغترب فتحمل وطنك في سلوكك، أن تختلف في السياسة وتتوحد في المدرج. هذه هي الرسالة التي يجب أن يسمعها المسؤول والحاكم والمواطن والمستثمر، في عمّان وفي واشنطن وفي كل عاصمة. وهي رسالة لا تحتاج إلى صوت مرتفع، تحتاج إلى برهان مستمر. والبرهان بدأ، والملعب الآن هو كل مساحة في هذا الوطن الكبير.


مواضيع قد تهمك