اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : أكثر من مباراة... الأردن يروي قصته للعالم

القس سامر العزة : أكثر من مباراة... الأردن يروي قصته للعالم
أخبارنا :  

القس سامر عازر


لا شك أن فرحتنا بكل إنجاز يحققه منتخبنا الوطني "النشامى" في مونديال كأس العالم 2026 هي فرحة كبيرة ومستحقة. فمجرد وصول الأردن إلى هذا المحفل الرياضي العالمي يعد إنجازًا وطنيًا يبعث على الفخر والاعتزاز، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن معظم المنتخبات المشاركة تمتلك خبرات تراكمية امتدت لعقود طويلة، وخاضت عشرات المشاركات الدولية التي صقلت أداءها ورسخت حضورها في عالم كرة القدم.


لقد وصل منتخبنا الوطني إلى أولى درجات السلم العالمي، ووجد نفسه بين مدارس كروية عريقة لها تاريخها وإنجازاتها وبصمتها الخاصة في الرياضة العالمية. وهذه التجربة بحد ذاتها تمثل مدرسة متقدمة للنشامى، تمنحهم المزيد من الخبرة والثقة، وتفتح أمامهم آفاقًا أوسع للحضور والمنافسة في المستقبل.


غير أن فرحتنا لا تقف عند حدود المستطيل الأخضر ونتائج المباريات، بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق. فقد تحول المونديال إلى مناسبة وطنية مهمة وفرصة تاريخية للتعريف بالأردن وتاريخه وثقافته وهويته الحضارية. وقد لمسنا ذلك بوضوح من خلال الحضور الأردني المميز في الفعاليات المصاحبة، ولا سيما مشاركة موسيقات القوات المسلحة الأردنية التي أطلت بزيها العسكري الرسمي المزدان بالشماغ الأردني والتاج الملكي، لتقدم صورة مشرقة عن الدولة الأردنية ورموزها الوطنية.


لقد حملت الألحان والأناشيد والاستعراضات الأردنية رسائل تتجاوز الفن والموسيقى إلى التعبير عن روح الوطن ووجدانه. كانت ألحانها وأنغامها تنبع من عمق البيئة الأردنية، وتحمل معها معاني الولاء والانتماء والمحبة الصادقة للأردن. وهي مشاعر لا تَبهَت بالاغتراب ولا تضعفها المسافات، لأن الوطن ليس مجرد مكان نسكن فيه، بل هو مكان يسكن فينا، في ذاكرتنا ووجداننا وأحلامنا أينما حللنا وارتحلنا.


ويبقى الأردن عنوانًا جامعًا للهوية والانتماء، يدعونا جميعًا إلى أن نكون خير سفراء له في كل مكان، وأن نقدم صورته الحقيقية القائمة على الاعتدال والتسامح والمحبة. فلدينا الكثير مما يمكن أن نقدمه للعالم عن أرض تحتضن كنوزًا روحية وحضارية وإنسانية فريدة، من موقع عماد السيد المسيح في المغطس إلى كهف أهل الكهف، ومن أضرحة الصحابة والتابعين إلى المواقع الأثرية والتاريخية التي تشهد على تعاقب الحضارات فوق هذه الأرض المباركة.


إن تلك الألحان والاستعراضات لم تكن مجرد فقرات احتفالية، بل كانت رسالة وطنية استثنائية للتعريف بالأردن وعراقته، المرتبطة بأرضه وإنسانه وتاريخه. فالأردن يمتلك قصة تستحق أن تُروى، قصة أرض مرت عليها حضارات متعاقبة منذ آلاف السنين وأسهمت في تشكيل شخصيته الحضارية والثقافية. وهي ذاتها السردية الأردنية التي أكد عليها سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، بوصفها إطارًا لإبراز قصة الأردن ورسالته الروحية والثقافية والإنسانية والحضارية للعالم.


وفي زمن تتزايد فيه النزاعات وتتراجع فيه القيم الإنسانية، تبدو هذه الرسالة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالعالم بحاجة إلى العودة إلى القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية التي تعزز كرامة الإنسان وتحفظ هويته وتدعوه إلى بناء جسور التفاهم بدلاً من المتاريس، وإلى نشر ثقافة اللقاء بدلاً من ثقافة الإقصاء. وهذه هي الرسالة التي حملها الأردن عبر تاريخه وما يزال يحملها اليوم.


كما أن حضور موسيقات القوات المسلحة الأردنية على الأراضي الأمريكية يعكس عمق العلاقات الأردنية الأمريكية التي امتدت لأكثر من سبعة عقود، ويجسد المكانة المرموقة التي تحظى بها المملكة الأردنية الهاشمية وقيادتها الهاشمية الحكيمة، وما تحمله هذه العلاقات من احترام متبادل وتقدير للدور الأردني في تعزيز الأمن والاستقرار والحوار والسلام.


لقد تجاوزت مشاركة النشامى حدود المشاركة الرياضية التقليدية، لتصبح نافذة مشرعة يطل منها الأردن على العالم، ويعرّف من خلالها برسالته وهويته وتاريخه. إنها مناسبة جسدت قدرة الرياضة على أن تكون لغة جامعة للشعوب، ومنبرًا للتعريف بالأوطان، وجسرًا لتعزيز روح المواطنة والانتماء، وترسيخ قيم المحبة والسلام والوئام بين الأديان والثقافات.


لهذا فإن ما نحتفل به اليوم ليس مجرد حضور في بطولة عالمية، بل حضور لوطن كامل بقصته وتاريخه ورسالة أبنائه. فالنشامى يلعبون في الملعب، لكن الأردن كله كان حاضرًا في المدرجات، وفي الألحان، وفي الرايات، وفي قلوب أبنائه المنتشرين في أنحاء العالم، يروي للعالم قصة وطن يستحق أن يُعرف وأن يُزار وأن يُحَب.


مواضيع قد تهمك