اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عاصم منصور : النظام يصنع ساسته

د. عاصم منصور : النظام يصنع ساسته
أخبارنا :  

أذكر قبل سنوات أنني كنت في زيارة لإحدى المؤسسات الرسمية لمتابعة موضوع يتعلق بالعمل، فوجدت أمامي أحد النواب المخضرمين، الذي بادرني قائلاً: «هل تعلم أن هذه هي المؤسسة الثالثة التي أدخلها اليوم لمتابعة بعض القضايا التي تخص أبناء دائرتي الانتخابية؟» وكان النهار لم ينتصف بعد. هذه الحكاية، التي يعرفها ويتضايق منها كثير من المسؤولين ويرون فيها تدخلا من قبل النواب في أعمالهم لا بل تعطيلا لسير العمل، تلخص جانبًا مهمًا من طبيعة العمل النيابي، ويرى فيها النواب جانبا أساسيا من مسؤوليتهم تجاه الناخبين. وهنا يبرز السؤال: هل هذه الظاهرة مقصورة على مجتمعاتنا، أم أنها موجودة أيضًا في الدول ذات التقاليد البرلمانية العريقة؟

 


هذا السؤال يقترب منه كتاب إيزابيل هاردمان «لماذا نحصل على السياسيين الخطأ؟»، وهو كتاب لا يهدف إلى نقد السياسيين كما يوحي عنوانه، بقدر ما يحاول فهم طبيعة النظام الذي ينتج هؤلاء الساسة. فالفكرة الأساسية التي يعرض لها الكتاب ليست في كشف فساد الساسة أو فضح انفصالهم عن الواقع، بل عن طبيعة العمل السياسي نفسه الذي أصبح مرهقًا ومعقدًا إلى درجة تجعل من الصعب على النائب أن يؤدي دوره الذي انتخب من أجله.

توضح هاردمان أن النائب في الديمقراطيات الحديثة لا يعيش في «فقاعة» كما يُشاع، بل هو في احتكاك يومي مع الناس ومشكلاتهم. فهو يقضي وقتًا طويلًا في استقبال المواطنين والاستماع إلى شكاواهم المتعلقة بالسكن، والمعاشات، والبطالة، والمشكلات الإدارية، بل وحتى الأزمات الشخصية التي لا يجد أصحابها بابًا آخر يطرقونه لحلها، ولذلك يصبح النائب بالنسبة للكثيرين الأمل الأخير للوصول إلى حل.

لكن المشكلة، كما يبين الكتاب، أن هذا الدور الخدمي يستهلك وقت النائب وجهده، ويبعده عن مهمته الأساسية، وهي التشريع والرقابة. فبدل أن ينصرف إلى دراسة القوانين ومراجعة قرارات الحكومة، يجد نفسه مشغولًا يوميًا بحل مشكلات فردية طارئة. والأسوأ من ذلك أن كثيرًا من هذه المشكلات تكون في الأصل نتيجة قوانين ضعيفة أو غير مدروسة، صوّت عليها النواب أنفسهم دون أن تتاح لهم فرصة كافية لفهمها أو مناقشتها.

وتنتقد هاردمان أيضًا الطريقة التي تُدار بها العملية التشريعية، حيث تمرر الحكومات القوانين بسرعة، بينما يظل النواب تحت ضغط الانضباط الحزبي، فيصوتون أحيانًا وفق تعليمات الحزب لا وفق قناعتهم أو تقييمهم الحقيقي للتشريع، وبهذا يتحول البرلمان، في كثير من الأحيان، إلى جهة تصديق أكثر منه ساحة نقاش جاد.

أما الفكرة الأهم في الكتاب، فهي أن النظام السياسي نفسه يعمل كقوة طاردة للكفاءات، التي تفضل الابتعاد عن هذه البيئة غير الصحية لعدم قدرتهم على تحمل هذا القدر من الضغوط والإساءة وعدم الاستقرار، وهنا يخلو المجال لمن يملكون قدرة أكبر على الصدام والسعي إلى السلطة.

يقدم الكتاب قراءة مهمة في أزمة السياسة الحديثة، فهو لا يحمّل السياسي وحده المسؤولية، بل يدعونا إلى النظر إلى النظام الذي يصنع السياسيين ويحدد طبيعة عملهم، وربما كانت رسالته الأهم أن المشكلة ليست فقط في الأشخاص، بل في الصورة التي نطلب منهم أن يكونوا عليها، وفي النظام الطارد للكفاءات وفي آلية صنع القرار.

ــ الغد


مواضيع قد تهمك