اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. زيد خالد المعايطة : المشاريع الاستراتيجية الكبرى… ما بعد العوائد الاقتصادية المباشرة

م. زيد خالد المعايطة : المشاريع الاستراتيجية الكبرى… ما بعد العوائد الاقتصادية المباشرة
أخبارنا :  

أعاد مشروع الناقل الوطني للمياه إلى الواجهة النقاش حول الدور الذي يمكن أن تلعبه المشاريع الاستراتيجية الكبرى في رسم ملامح المستقبل الاقتصادي للدول، فبعض المشاريع لا يُقاس أثرها بحجم الإنفاق عليها أو بطبيعة الخدمة التي تقدمها فحسب، بل بما تتركه من أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع، ولهذا السبب لا يٌنظر إلى المشاريع الكبرى باعتبارها مجرد استثمارات في البنية التحتية، بل بوصفها أدوات توسع حدود الممكن أمام اقتصاد أفضل وتفتح آفاقاً جديدة للنمو والتنمية.

 

وعبر التاريخ، ارتبطت الكثير من التحولات الاقتصادية الكبرى بمشاريع نجحت في إزالة عقبات كانت تحد من النمو وتضيق خيارات التنمية، فالقضية لم تكن يوماً في الطرق أو الموانئ أو شبكات الطاقة بحد ذاتها، وإنما في ما أتاحته من فرص اقتصادية جديدة وما فتحته من آفاق أمام الاستثمار والإنتاج والتوسع، ومن هذا المنطلق تكتسب المشاريع الاستراتيجية أهمية خاصة في دول تواجه تحديات هيكلية مثل شح المياه أو كلف الطاقة أو محدودية الربط اللوجستي، لأن معالجة هذه التحديات لا تعني تحسين قطاع بعينه، بل توسيع قدرة الاقتصاد بأكمله على النمو.

وتظهر آثار هذه المشاريع على أكثر من مستوى، ففي المدى القريب تسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية من خلال أعمال التصميم والتنفيذ والتوريد وما يرتبط بها من فرص عمل وطلب على السلع والخدمات، أما الأثر الأعمق فيتجلى على المدى البعيد، عندما تبدأ هذه المشاريع بإزالة القيود التي كانت تعيق النشاط الاقتصادي، فتتحسن الإنتاجية وترتفع القدرة التنافسية وتتوسع الفرص الاستثمارية، وهو ما ينعكس في النهاية على النمو الاقتصادي والناتج المحلي الإجمالي.

غير أن الاقتصاد لا يتحرك بالأرقام والبنية التحتية وحدهما، فالتوقعات تلعب دوراً لا يقل أهمية عن الموارد المادية نفسها، فالمستثمر عندما يقرر التوسع في أعماله لا ينظر فقط إلى الواقع الحالي، ورائد الأعمال عندما يطلق مشروعاً جديداً لا يبني قراره على ظروف اليوم وحدها، بل على الصورة التي يرسمها للمستقبل، ولذلك فإن الثقة بالاتجاه الذي تسير فيه الدولة تصبح عاملاً اقتصادياً مؤثراً بحد ذاته.

وهنا تبرز قيمة المشاريع الاستراتيجية من زاوية أخرى، فهي لا توفر خدمات أو بنية تحتية فقط، بل تبعث برسائل واضحة حول قدرة الدولة وجاهزيتها لتنفيذ خطط طويلة الأمد وتحويل الأفكار إلى مشاريع قائمة على الأرض، وعندما يرى المواطن أو المستثمر مشروعاً كبيراً ينتقل من مرحلة الدراسات والنقاش إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، تتعزز القناعة والثقة بأن الطموحات الكبرى يمكن تحقيقها في الأردن، وأن التحديات مهما كانت معقدة ليست بالضرورة عائقاً أمام التقدم او يصعب تخطيها.

ولعل ما يزيد من أهمية هذه المشاريع أنها غالباً ما تعكس قدرة الدول على إيجاد حلول مبتكرة للتحديات التمويلية والتنفيذية، فالكثير من التجارب التنموية الناجحة حول العالم لم تقم على وفرة الموارد وحدها، بل على القدرة على بناء شراكات فعالة وتطوير نماذج تمويل مرنة تجمع بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات الدولية، وهو ما يحول الأفكار الطموحة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

وفي النهاية، قد لا يكون الأثر الأهم للمشاريع الاستراتيجية فيما تتركه من منشآت أو أصول مادية فقط، بل فيما تبنيه من ثقة بالمستقبل، فحين تنجح دولة في تحويل رؤيتها إلى إنجازات ملموسة، فإنها لا توسع قدراتها الاقتصادية فحسب، بل تعزز أيضاً ثقة المواطنين والمستثمرين بقدرتها على المضي قدماً، ففي عالم تتأثر فيه القرارات الاقتصادية بالتوقعات بقدر تأثرها بالواقع تصبح الثقة بالمستقبل أحد أهم العوائد التي يمكن أن تحققها المشاريع الاستراتيجية الكبرى.

ــ الراي


مواضيع قد تهمك