اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د.عبدالله سرور الزعبي : معركة اليوم التالي.. الخليج بين إرث الحرب وهندسة المستقبل

د.عبدالله سرور الزعبي : معركة اليوم التالي.. الخليج بين إرث الحرب وهندسة المستقبل
أخبارنا :  

الساعة الثالثة فجرا. في غرف العمليات المالية بنيويورك ولندن وهونغ كونغ، أصابع متوترة تحلق فوق لوحات المفاتيح، وشاشات تضيء وجوها شاحبة. رسالة واحدة تتقافز بين الأجهزة، وقف إطلاق النار في منطقة الخليج. في تلك اللحظة، ارتفعت أسعار النفط ثم انهارت، واهتزت العملات ثم استقرت، وأخذت الأسواق نفسا عميقا، ثم توقفت لتسأل: وماذا بعد؟

 


هذا هو السؤال الذي تطرحه كل حرب كبرى حين تضع أوزارها. ليس: من انتصر؟ ولا: ما حجم الدمار والخسائر؟، بل ما الذي سيحدث في اليوم التالي للحرب؟ وفي حالة منطقة الخليج تحديدا، يحمل هذا السؤال ثقلا استثنائيا. فهذه المنطقة ليست مجرد ساحة حرب انتهت، أو قد تنتهي؛ إنها الشريان الذي يضخ الطاقة في جسد الاقتصاد العالمي، ومختبر التوازنات الكبرى بين القوى العظمى، ومهد حضارات تمتد جذورها آلاف السنين. وما يأتي بعد هذه الحرب لن يعيد رسم خريطة المنطقة فحسب، بل قد يعيد رسم خريطة العالم.

ولفهم ما ينتظر المنطقة، لا بد أولا من التوقف عند ما كشفته الحرب نفسها.

لقد أثبتت هذه الحرب أن الخليج لم يكن يوما مجرد مساحة جغرافية غنية بالنفط، بل عقدة إستراتيجية مركزية في النظام الدولي. ففيه تتقاطع المصالح الأمنية للولايات المتحدة، وطموحات الصين في تأمين احتياجاتها من الطاقة، وحسابات روسيا الساعية إلى منع انفراد واشنطن بالنفوذ الإقليمي، إضافة إلى تطلع الهند للعب دور دولي متنام يتجاوز حدودها التقليدية.

وعندما اندلعت المواجهة، لم تكن مجرد صراع بين أطراف إقليمية، بل اختبارا لقدرة النظام الدولي بأكمله على الحفاظ على توازنه. كما كشفت أن الأمن الإقليمي لم يكن مستقرا بالمعنى الحقيقي، بل كان قائما على توازنات دقيقة وردع غير مكتوب ومصالح متشابكة وتفاهمات صامتة. وما إن تعرض هذا التوازن للاهتزاز حتى ظهرت هشاشة البنية الأمنية التي استند إليها الإقليم لعقود.

أما الحقيقة الأكثر إزعاجا، فهي أن العالم ما زال رهينة نقاط الاختناق الجغرافية. فما زالت قدرة دولة واحدة أو مجموعة محدودة من الفاعلين على تهديد ممر مائي حيوي كفيلة بإرباك الاقتصاد العالمي بأسره، وهو ما أثبتته هذه الأزمة بوضوح.

ويعلمنا التاريخ أن ما يأتي بعد الحروب الكبرى في الشرق الأوسط غالبا ما يكون أكثر تأثيرا من الحرب نفسها. فعندما أممت مصر قناة السويس عام 1956 لم تكن الأزمة مجرد خلاف حول ممر مائي، بل كانت إعلانا لانحسار النفوذ الاستعماري الأوروبي وبداية مرحلة دولية جديدة. وعندما استخدم النفط كسلاح سياسي عام 1973 تغيرت معادلات الطاقة العالمية بصورة دائمة. وبعد حرب الخليج عام 1991 لم يكن الحدث الأهم هو انتهاء العمليات العسكرية، بل الترتيبات الأمنية التي تلتها وترسيخ الوجود العسكري الأجنبي وموجة التسلح الواسعة. كما أن سقوط بغداد عام 2003 لم يغير العراق وحده، بل أطلق فراغا جيوسياسيا استثمرته إيران ببراعة لتعزيز نفوذها الإقليمي. ومن هذا المنظور، فإن أزمة الخليج عام 2026 لن تكون استثناء؛ فالتاريخ سيهتم بما سيحدث بعد الحرب أكثر مما سيهتم بالحرب نفسها.

فماذا بعد إذن؟ دول الخليج العربي، هي الأكثر تضررا والأكثر قدرة على الاستفادة في آن واحد. فهي لن تعود إلى نموذج الأمن المستورد القائم على الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية، ولن تكتفي بالثروة النفطية وحدها رادعا للتهديدات. ما ستسعى إليه هو منظومة أمن ذاتية متكاملة؛ عسكرية واقتصادية وتكنولوجية ودبلوماسية في آن معا. والمفارقة اللافتة أن الحرب قد تكون الدافع الأقوى لتسريع مسيرة التحول الاقتصادي الخليجي؛ فالسعودية ورؤية 2030، والإمارات وأجندة الخمسين، وقطر ورهانها على الغاز والدبلوماسية، كل هذه المسارات ستجد في مرحلة ما بعد الحرب وقودا إضافيا، لأن الاقتصاد المتنوع والمؤسسات القوية والشبكات الدولية الواسعة لم تعد ترفا تنمويا، بل باتت ركائز الأمن الوطني الحقيقي.

أما إيران، فهي الدولة التي تقف أمام أصعب خيار إستراتيجي في تاريخها الحديث. فالحرب وضعتها أمام مرآة لا تستطيع تحويل نظرها عنها، ما الذي حققته عقود من إستراتيجية المحاور والوكلاء والتمدد الإقليمي، ومحاولات تصدير الثورة؟ وما الثمن الذي دفعه الشعب الإيراني؟

وفي الداخل الإيراني تتشكل ملامح نقاش عميق بين رؤيتين. الأولى ترى أن ما جرى يؤكد ضرورة تعزيز القدرات العسكرية ومواصلة النهج القائم. أما الثانية فترى أن أمام إيران فرصة تاريخية للتحول من دولة مستنزفة في الصراعات إلى قوة إقليمية منتجة ومندمجة اقتصاديا مع محيطها والعالم. وقد يكون العامل الحاسم في هذا التحول هو المجتمع الإيراني نفسه، ولا سيما طبقته الوسطى المتعلمة التي تدرك حجم الفجوة بين الإمكانات الهائلة التي تمتلكها البلاد والواقع الذي تعيشه.

وإذا كانت إيران تمثل أحد أقطاب التحول في غرب آسيا، فإن دولا أخرى تراقب المشهد من أطرافه وهي تدرك أن نتائج الحرب ستعيد تشكيل حساباتها الإستراتيجية أيضا.

فباكستان، التي وجدت نفسها أمام اختبار دقيق بين علاقاتها التقليدية مع العالم الإسلامي وحساباتها الإستراتيجية المعقدة، قد تخرج أكثر اقتناعا بأن امتلاك عناصر القوة الذاتية لم يعد خيارا بل ضرورة. ومن المرجح أن تعزز إسلام آباد حضورها الإقليمي وتسعى إلى توظيف موقعها الجغرافي بين الخليج وآسيا الوسطى والصين كأحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.

لكن إسرائيل، فرغم ما قد تحققه من مكاسب عسكرية أو أمنية، فإنها ستواجه واقعا إستراتيجيا مختلفا عما كان قائما قبل الحرب. فبيئة الشرق الأوسط الجديدة لا تقاس فقط بنتائج المعارك، بل بقدرة الدول على بناء شبكات الاستقرار والتكامل الاقتصادي. وستجد إسرائيل نفسها أمام تحدي الانتقال من منطق الردع العسكري إلى منطق التكيف مع إقليم يعاد تشكيله اقتصاديا وجيوسياسيا، حيث تتزايد أهمية الممرات التجارية والتحالفات الاقتصادية بقدر أهمية التفوق العسكري.

لكن تداعيات ما بعد الحرب لن تقتصر على الدول المنخرطة مباشرة في الصراع، بل ستمتد إلى الساحات التي شكلت طوال العقود الماضية مسارح للتنافس الإقليمي.

وفي لبنان، قد تكون تداعيات الحرب أكثر تعقيدا من أي مكان آخر. فالبلد الذي أنهكته الأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تتحول الصدمة الإقليمية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة واستعادة دور المؤسسات، وإما أن تتعمق حالة الهشاشة التي جعلت لبنان طوال السنوات الماضية ساحة لتقاطعات النفوذ الإقليمي والدولي. وستكون قدرة اللبنانيين على إنتاج تسوية وطنية جديدة أحد العوامل الحاسمة في تحديد شكل لبنان خلال العقد القادم.

ولا يكتمل المشهد من دون العراق واليمن. فالعراق، الذي أمضى عقودا طويلة كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، يملك فرصة نادرة للانتقال من موقع المتلقي للتأثيرات إلى موقع الفاعل المؤثر، مستفيدا من ثرواته الطبيعية وموقعه الجغرافي الرابط بين الخليج وبلاد الشام وتركيا، وتجربته المريرة التي علمته من الألم ما لم تعلمه الكتب.

أما اليمن، فيبقى الجرح الأكثر عمقا في المشهد الإقليمي. فهو لم يكن مجرد ساحة صراع، أو ورقة ضغط في يد هذا الطرف أو ذاك، بل مجتمعا دفع ثمنا إنسانيا باهظا. ومن هنا فإن أي مرحلة جديدة في المنطقة ينبغي أن تبدأ بإنهاء المأساة اليمنية بصورة مستدامة، ليس فقط من منطلق إنساني وأخلاقي، بل لأن استقرار اليمن يمثل جزءا لا يتجزأ من استقرار الخليج وأمنه الإستراتيجي.

وفي خضم هذه التحولات، ثمة فائز صامت لا يستأثر باهتمام المحللين بما يستحق، الهند. فهي لم تطلق رصاصة واحدة، غير أنها تجمع في موقعها وثقلها وطموحها ما يجعلها المستفيد الأكبر مما بعد الحرب. فهي تقع في قلب المثلث الجيوسياسي الأهم، بين الخليج النفطي غربا وجنوب شرق آسيا الصناعي شرقا وآسيا الوسطى شمالا، وتصدر أكبر جالية عاملة إلى المنطقة. والأهم أنها تمتلك ما لا تمتلكه الصين من قبول دولي واسع، ولا تمتلكه الولايات المتحدة من قدرة على الحضور في كل مكان. مزيجا فريدا من الثقل الاقتصادي المتصاعد والقوة الديموغرافية والكفاءة التكنولوجية والعلاقات المتوازنة مع جميع الأطراف باستثناء باكستان، من واشنطن إلى موسكو ومن طهران إلى الرياض. وما بعد الحرب قد يكون لحظة تعريف الهند لنفسها كمزود للاستقرار ومحور توازن إقليمي لا يمكن تجاهله.

أما القوى الكبرى، فتواجه جميعها تحديات معقدة. فالولايات المتحدة تجد نفسها أمام معضلة الحفاظ على نفوذها العالمي بتكاليف متزايدة، الأمر الذي قد يدفعها أكثر نحو توظيف التفوق التكنولوجي والذكاء الاصطناعي العسكري كبديل عن الانخراط المباشر واسع النطاق.

أما الصين، فترى في المرحلة القادمة فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي بينما تنشغل الأطراف الأخرى بإعادة ترتيب أوضاعها. لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الحرب كشفت هشاشة اعتمادها الكبير على مسارات طاقة يمكن أن تتعرض للتهديد في أي لحظة، وهو ما سيدفعها إلى تسريع مشاريع الطرق البديلة للطاقة والاستثمار بصورة أكبر في الطاقة المتجددة وتقنيات التخزين الإستراتيجي.

وبالنسبة لروسيا، فعلى الرغم من استفادتها الظرفية من ارتفاع أسعار النفط، فإنها تواجه معضلة مختلفة؛ إذ تخاطر بأن تجد نفسها على هامش عملية إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بسبب محدودية الأدوات المتاحة لها مقارنة بما كانت تمتلكه في مراحل سابقة.

وفي قلب هذه التحولات تقف الدول المتوسطة أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف أدوارها. ويبرز الأردن نموذجا مهما في هذا السياق. فهذا البلد الذي تحمل لعقود أعباء موقعه الجغرافي وسط منطقة مضطربة، قد يكتشف أن الموقع ذاته يمثل أحد أهم أصوله الإستراتيجية.

غير أن اغتنام هذه الفرصة يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل. ويتطلب ذلك قرارات جريئة، وإصلاحات حقيقية، وإرادة تنفيذية، لا تكتفي بإعلان النوايا أو الوعود. فتسريع عملية تطوير العقبة كمركز لوجستي إقليمي، ومشاريع الطاقة المتجددة بدلا من هدر الموارد في البحث عن الوقود الأحفوري، والهيدروجين الأخضر، وتحديث البنية التحتية، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، لم تعد خيارات تنموية إضافية، بل تذاكر الصعود إلى قطار التحولات الكبرى القادم، ومن المتطلبات الأساسية للتموضع في النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا.

ورغم كل الحسابات الجيوسياسية والإستراتيجية، يبقى البعد الإنساني هو الأكثر أهمية. فهناك أسر في دول الخليج عاشت شهورا من القلق والترقب، وملايين من العمال الوافدين وجدوا أنفسهم بين خطر الحرب وخطر فقدان مصادر رزقهم، ومواطنون إيرانيون يتطلعون إلى مستقبل أكثر استقرارا وانفتاحا. ولذلك فإن أي تصور جاد لمرحلة ما بعد الحرب يجب أن يضع الإنسان في قلب المعادلة، لأن الأمن الحقيقي لا يعني فقط غياب الصواريخ، بل حضور الفرص والكرامة والأمل.

وإذا أردنا استشراف المستقبل بعيدا عن الأمنيات، فإن المنطقة تبدو أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسة. الأول هو سيناريو الانتكاسة الهادئة، حيث تعود التوترات المزمنة وتستمر الصراعات بالوكالة دون حرب شاملة أو سلام حقيقي، وهو السيناريو الأقرب إلى أنماط المنطقة التقليدية إلا أن الأنماط التقليدية لم تعد مجدية بما فيه الكفاية. والثاني هو سيناريو التحول التدريجي، حيث تدرك الأطراف أن كلفة الصراع باتت أعلى من عوائده، فتبدأ خطوات حذرة نحو بناء ترتيبات أمنية مشتركة واستعادة شبكات التجارة والتعاون الإقليمي. أما السيناريو الثالث فهو النهضة الإقليمية، حيث تنجح المنطقة في بناء منظومة تكامل اقتصادي وإستراتيجي حقيقية تجعلها شريكا في صناعة المستقبل العالمي لا مجرد مصدر للطاقة. وهو السيناريو الأصعب، لكنه الأكثر جدارة بالسعي إليه.

وأيا يكن المسار الذي سيتحقق، فإن القرار لن يكون بيد التاريخ وحده ولا بيد القوى الكبرى وحدها. بل سيتحدد من خلال القرارات التي تتخذها حكومات المنطقة خلال الفترة القريبة المقبلة، ومن خلال قدرتها على تجاوز المألوف نحو بناء نماذج جديدة للتعاون والتنمية والاستقرار.

فالأزمات الكبرى لا تخلق الكوارث فقط، بل تخلق أيضا فرص إعادة كتابة القواعد ورسم الخرائط من جديد. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت المنطقة ستتغير، بل من الذي سيقود هذا التغيير: أبناء المنطقة أنفسهم أم القوى الكبرى التي تراقب من بعيد وتنتظر لحظة التأثير؟

وهكذا، فإن ما بعد الحرب لن يكون مجرد مرحلة لإعادة رسم حدود النفوذ بين الدول، بل لحظة تاريخية تعيد تعريف أدوار الفاعلين الإقليميين كافة، من طهران إلى الرياض، ومن إسلام آباد إلى تل أبيب، ومن بيروت إلى عمان، في شرق أوسط جديد لا يشبه كثيرا ذلك الذي عرفناه خلال العقود الماضية.

وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به: ماذا بعد وقف الحرب في الخليج؟ الجواب لم يكتب بعد، وليس محسوما في خرائط الجغرافيا أو صفحات التاريخ. إنه يكتب الآن، في كل قرار سياسي، وكل رؤية اقتصادية، وكل مشروع إصلاحي، وكل خطوة جريئة نحو المستقبل. فالمنتصر الحقيقي في معركة اليوم التالي ليس من ربح الحرب، بل من أدرك أن ما بعد الحرب ليس نهاية الفصل، وإنما بداية الرواية.


* مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية


مواضيع قد تهمك