اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. احمد الغزو : الإدارة المحلية والأنظمة المؤجلة .. أين ينتهي القانون وأين تبدأ التعليمات؟

م. احمد الغزو : الإدارة المحلية والأنظمة المؤجلة .. أين ينتهي القانون وأين تبدأ التعليمات؟
أخبارنا :  

لا خلاف على أهمية الأنظمة والتعليمات التنفيذية ودورها في استكمال تطبيق القوانين وترجمة أحكامها إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ. فالتشريع الحديث يقوم على تكامل الأدوار بين القانون الذي يضع الأصول والضمانات العامة، وبين الأنظمة والتعليمات التي تبين آليات التطبيق والتفاصيل الإجرائية.


غير أن القراءة المتأنية لمشروع قانون الإدارة المحلية لعام 2026 تكشف اتجاهاً واسعاً نحو إحالة عدد من المسائل الجوهرية إلى أنظمة وتعليمات تصدر لاحقاً، رغم ارتباطها المباشر بالحوكمة المحلية، وإدارة المال العام، والتمثيل الديمقراطي، وتوزيع الصلاحيات، والمشاركة المجتمعية، وتنظيم الهياكل والهيئات المحلية.


ومن هنا فإن الملاحظة لا تنصرف إلى مبدأ الإحالة ذاته، وإنما إلى اتساع نطاقه في موضوعات كان من الملائم أن يتضمن القانون بشأنها الحد الأدنى من الأصول والضمانات العامة، بحيث تبقى الأنظمة والتعليمات أداة لاستكمال التنفيذ لا بديلاً عن الإطار التشريعي الذي رسمه القانون.


فعند مراجعة عدد من مواد المشروع يتبين أن بعض الأحكام المتعلقة باللجان الدائمة والمؤقتة، وصلاحيات الاستثمار والشراكة، وصلاحيات رئيس البلدية، وآليات تعيين المدير التنفيذي واختصاصاته، والشراكات البلدية، وتنظيم أعمال المجالس والهيئات المحلية، قد أُحيلت بدرجات متفاوتة إلى أنظمة وتعليمات لاحقة، رغم ما لهذه الموضوعات من أثر مباشر على إدارة الشأن المحلي والرقابة على الموارد العامة.


كما أن بعض الأحكام المرتبطة بالمشاركة المجتمعية، وتعديل الحدود البلدية، ودمج البلديات أو استحداثها، والتمثيل المحلي، وإدارة الاجتماعات واتخاذ القرارات، تمس بصورة مباشرة العلاقة بين الإدارة المحلية والمجتمعات التي تمثلها، الأمر الذي يستدعي حضوراً أوضح للضمانات التشريعية داخل نص القانون نفسه.


ومن المبادئ المستقرة في الفقه الدستوري والتشريعي أن القواعد الأساسية التي تنظم الحقوق والصلاحيات والاختصاصات العامة يجب أن يقررها القانون، بينما تتولى الأنظمة والتعليمات تنظيم الجوانب الفنية والإجرائية اللازمة للتنفيذ. فكلما ازدادت أهمية الموضوع وتأثيره على المال العام أو التمثيل الديمقراطي أو البنية المؤسسية، ازدادت الحاجة إلى وضوح القاعدة القانونية في متن القانون ذاته.


ولعل من أبرز ما يلفت الانتباه أن نجاح عدد من الأحكام الواردة في المشروع سيبقى مرتبطاً بمضمون الأنظمة والتعليمات التي لم تصدر بعد، الأمر الذي يجعل التقييم النهائي لبعض النصوص مؤجلاً إلى حين اكتمال المنظومة التشريعية والتنظيمية التي سترافق تنفيذ القانون.


إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود الأنظمة والتعليمات، بل في مدى اتساع المساحة التي تركها القانون لها. فحين تتعلق المسألة بالحوكمة المحلية أو إدارة المال العام أو تنظيم السلطات والصلاحيات أو أسس التمثيل والمشاركة، فإن القانون يكون مطالباً بوضع الأطر العامة والضمانات الأساسية بصورة واضحة ومباشرة، مع ترك التفاصيل التنفيذية لما دون ذلك من أدوات تشريعية.


وعليه، فإن نجاح قانون الإدارة المحلية لعام 2026 لن يقاس فقط بما تضمنه من نصوص، بل أيضاً بما ستتضمنه الأنظمة والتعليمات المؤجلة من أحكام، وبمدى التزامها بروح القانون وأهدافه في تعزيز الشفافية والمساءلة واللامركزية الرشيدة والتنمية المحلية المستدامة.


ويبقى السؤال المشروع الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: هل ستكون الأنظمة والتعليمات التنفيذية مكمّلة للقانون ومترجمة لمقاصده، أم أنها ستصبح الطرف الأكثر تأثيراً في رسم ملامح الإدارة المحلية وصياغة تفاصيلها العملية؟


وللحديث بقية في الجزء الثاني.


* امين عام وزارة البلديات سابقا



مواضيع قد تهمك