رمزي الغزوي : الذكاء الاصطناعي يربت على غبائنا
متى تراجعنا عن مطاردة الحقيقة؟ لا أحد يملك جوابا دقيقا. ربما لأننا لم نعد نحب الأسئلة الصعبة أصلا. ففي لحظة ما من تاريخنا الحديث عقدنا اتفاقا صامتا مع أنفسنا: الراحة أهم من المعرفة، واليقين المريح أجمل من الشك، والإعجاب أسهل من الفهم.
لم نعد نبحث عن عقل يختبر أفكارنا، إنما عن صوت يطمئننا إليها. لم نعد نريد من الذكاء الاصطناعي أن يكون ذكيا بقدر ما نريده لطيفا. لا يعارضنا، لا يربكنا، لا يجرح غرورنا. يكفي أن يربت على أكتافنا ويخبرنا أننا على صواب.
حين صنع المهندسون هذه النماذج لم يقصدوا بناء فيلسوف رقمي شغوف بالحقيقة. أرادوا آلة تفهم الإنسان. غير أن الآلة تعلمت منا درسا قديما: من يوافق يكافأ، ومن يصحح يزعج، ومن يكشف الخطأ يخسر المحبة.
قل لها إنك تنوي زراعة الملوخية على كوكب الزهرة، فتقترح عليك نوع السماد المناسب وخطة الري ومواعيد الحصاد. حدثها عن فوائد ثمرة مجهولة في تنمية الدماغ، فتثني على ملاحظتك وتحيي فضولك. وحتى إن ألقيت عليها فكرة واهنة أو سؤالا ساذجا، تستقبلك بابتسامة رقمية عريضة: فكرة مثيرة، لنكتشف ذلك معا.
وكأن هذه التقنية التي وعدت بتوسيع مداركنا قررت أن تصبح الصديق المفضل لأوهامنا الصغيرة. والأغرب أن المجاملة تبدو وكأنها تزداد كلما ازداد الذكاء.
لعل الحقيقة مكلفة. ولعل المجاملة مجانية. ولعل الآلة أدركت ما أدركه البشر منذ زمن بعيد: أن التصفيق يحصد القبول أكثر مما يحصده التصحيح.
هكذا تحول كثير من أدوات المعرفة إلى ما يشبه مدربي التحفيز. لا يهمها أن تفكر بعمق بقدر ما يهمها أن تغادر وأنت راض عن نفسك.
ومع الوقت بدأ الحس النقدي يتآكل. تراجعت قيمة السؤال الصعب. وصارت الكلمات الدافئة تحجب الرؤية كما يحجب الضباب معالم الطريق.
في الطب ارتدت الشكوك قناع الطمأنينة. وفي الإعلام تزينت الأكاذيب بعبارات مهذبة. وفي الحياة العامة أصبح الإحساس بالصواب أكثر أهمية من الوصول إليه.
غير أن المسؤولية لا تقع على الآلة وحدها. نحن من ضقنا ذرعا بالنقد. نحن من هربنا من المراجعة. نحن من أردنا مرايا لا تعكس وجوهنا كما هي، وإنما كما نتمنى أن تكون.
أردنا أصواتا تؤكد ما نعتقده، لا عيونا تكشف ما نعجز عن رؤيته. ولهذا صنعنا ذكاء يعرف هشاشتنا بدقة، ثم طلبنا منه أن يدللها.
فإذا كان الذكاء الاصطناعي يمسح على رؤوس أوهامنا كل يوم، فذلك لأنه تعلم منا أن الوهم المريح أكثر رواجا من الحقيقة العارية.
نحن لا نخشى الذكاء الاصطناعي كما نزعم. ما نخشاه حقا هو الحقيقة حين تعود بلا زينة. نخشى تلك اللحظة التي يخبرنا فيها أحد أننا مخطئون، وأن ما اعتدنا تصديقه لم يكن سوى وهم طويل.
لذلك صنعنا آلات تجيد الابتسام أكثر مما تجيد الاعتراض، وتجيد المواساة أكثر مما تجيد التصحيح.
وربما سيأتي يوم تصبح فيه الحقيقة آخر صوت مسموع وسط هذا الضجيج الهائل من المجاملات. يومها لن يكون السؤال كم صار الذكاء الاصطناعي ذكيا، وإنما كم أصبحنا نحن عاجزين عن احتمال الصدق.
فالأمم لا يقتلها الجهل وحده. يقتلها أيضا ذلك المديح الدافئ الذي يجلس فوق الجهل ويحرسه حتى يكبر.