أ.د. احمد منصور الخصاونة : البيانات.. الثروة الجديدة للجامعات والدول في عصر الذكاء الاصطناعي
في العقود الماضية كانت الدول تتنافس على امتلاك الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والغاز والمعادن، باعتبارها الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي والتنمية. ولم تعد البيانات مجرد سجلات إلكترونية محفوظة في الخوادم وقواعد المعلومات، بل أصبحت أصلاً رقمياً استراتيجياً للدول والمؤسسات، وثروة وطنية لا تقل أهمية عن أي مورد طبيعي.
ومن بين جميع المؤسسات، تبرز الجامعات باعتبارها من أغنى المؤسسات بالبيانات وأكثرها قدرة على توظيفها. فالجامعات تمتلك بيانات ضخمة تتعلق بالطلبة وأعضاء هيئة التدريس والبحث العلمي والبرامج الأكاديمية والاعتماد والجودة والموارد المالية والبشرية. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نستثمر هذه الثروة الرقمية بالشكل الذي يحقق أهداف التنمية والتطوير؟
لا يزال جزء كبير من البيانات الجامعية محصوراً في أنظمة متفرقة أو تقارير دورية ورقية تستهلك الوقت والجهد دون أن تحقق الاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد مقبولاً أن تعتمد مؤسسات التعليم العالي على أساليب تقليدية في إدارة المعلومات واتخاذ القرار، بينما تمتلك بين يديها كنوزاً من البيانات القادرة على رسم مستقبلها ومستقبل الأجيال القادمة.
إن دمج قواعد البيانات داخل الجامعات وربطها مع المؤسسات الحكومية وهيئات الاعتماد وسوق العمل من شأنه أن يحدث تحولاً نوعياً في منظومة التعليم العالي. فبدلاً من إعداد التقارير التقليدية التي تعكس صورة آنية ومحدودة، يمكن توفير مؤشرات رقمية لحظية تساعد القيادات الأكاديمية وصناع القرار على متابعة الأداء وتحليل الاتجاهات والتنبؤ بالتحديات والفرص المستقبلية.
كما أن هيئات الاعتماد وضمان الجودة تستطيع الاستفادة من البيانات المتكاملة بصورة غير مسبوقة. فبدلاً من التركيز على جمع الوثائق والملفات وإعداد التقارير المطولة، يمكن الاعتماد على أنظمة ذكية توفر مؤشرات دقيقة ومستمرة حول الأداء الأكاديمي والبحثي والإداري، مما يعزز الشفافية ويرفع كفاءة عمليات التقييم والمتابعة.
وعلى المستوى الاقتصادي، فإن التحول نحو إدارة البيانات والاعتماد على الذكاء الاصطناعي يسهم بشكل مباشر في الحد من الهدر المالي وتحسين كفاءة الإنفاق. فالقرارات المبنية على البيانات تكون أكثر دقة وفاعلية، كما أن التكامل بين الأنظمة والمؤسسات يقلل من الازدواجية والتكرار ويعزز الاستخدام الأمثل للموارد.
ولا يقتصر أثر ذلك على الجامعات وحدها، بل يمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فالدول التي تمتلك بنية تحتية متقدمة للبيانات والذكاء الاصطناعي تصبح أكثر قدرة على جذب الشركات العالمية والاستثمارات التقنية ومراكز البحث والتطوير. ومن هنا، فإن الجامعات مطالبة اليوم بأن تقود هذا التحول لا أن تكتفي بمواكبته. فهي ليست مجرد مؤسسات تعليمية تمنح الشهادات، بل هي مصانع للعقول ومراكز لإنتاج المعرفة وحاضنات للابتكار. ولذلك فإن الاستثمار في البنية الرقمية، وتطوير سياسات حوكمة البيانات، وتعزيز مهارات الذكاء الاصطناعي لدى الطلبة والباحثين وأعضاء هيئة التدريس، أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية لا تحتمل التأجيل.