رائد العورتاني : لماذا تتفوق تطبيقات النقل على التكسي الأصفر؟
بقلم: رائد العورتاني
عندما يقرر المواطن الأردني تحميل تطبيقات النقل والاعتماد عليها بشكل شبه يومي، فذلك لا يعني بالضرورة أنه يعادي التكسي الأصفر أو يتمنى اختفاءه من الشارع الأردني، بل يعني أن هناك مشكلة حقيقية دفعت الناس للبحث عن بديل أكثر راحة واحتراماً والتزاماً.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بكل صراحة: من المسؤول عن تراجع ثقة المواطن بالتكسي الأصفر؟
هل هو المواطن الذي يبحث عن خدمة أفضل؟ أم أن هناك ممارسات خاطئة تراكمت على مدار سنوات حتى صنعت هذه الفجوة بين الراكب وسائق التكسي؟
من واقع تجربة شخصية، فإن رحلة التكسي في كثير من الأحيان تتحول إلى مساحة إجبارية للاستماع إلى مكالمات هاتفية طويلة وجماعية بين السائق وزملائه، يتبادلون خلالها الأحاديث الخاصة والقصص الشخصية والنقاشات التي لا تعني الراكب من قريب أو بعيد. يدفع المواطن أجرة رحلة ليصل إلى وجهته، لا ليكون مستمعاً رغماً عنه لساعات من الأحاديث الجانبية.
أما التدخين داخل المركبة أو الروائح المنبعثة منها، فهو أمر لا يزال يشكل معاناة يومية لكثير من الركاب، في ظل غياب واضح للرقابة والمساءلة.
والأكثر استفزازاً أن بعض السائقين يتعاملون مع التكييف وكأنه خدمة فندقية إضافية، فيرفض تشغيله خلال فصل الصيف إلا مقابل مبلغ إضافي، متناسياً أن الراكب يدفع أجرة خدمة متكاملة وليس أجرة مقعد فقط.
لكن المشكلة الأكبر والأكثر تأثيراً على صورة القطاع تكمن في ثقافة "انتقاء الراكب”. يقف المواطن تحت أشعة الشمس أو في برد الشتاء منتظراً سيارة أجرة، فتمر عدة سيارات دون أن تتوقف. وإذا توقف أحد السائقين يكون السؤال الأول: "وين رايح؟”. فإن كانت الوجهة لا تناسب مزاجه أو لا تحقق له الربح الذي يريده غادر تاركاً الراكب يبحث عن وسيلة أخرى.
هنا تحديداً بدأت تطبيقات النقل تكسب المعركة.
فالتطبيق لا يسأل الراكب إلى أين يريد الذهاب قبل قبول الرحلة، ولا يرفض تشغيل التكييف، ولا يتجاوز الراكب لأنه لا تعجبه الوجهة، ولا يفرض عليه الاستماع إلى مكالمات لا تنتهي. بل يقدم خدمة واضحة المعالم يعرف فيها الراكب قيمة الأجرة وبيانات السائق ومسار الرحلة وحقه في تقديم شكوى عند الحاجة.
إن استمرار بعض الممارسات الخاطئة لا يسيء إلى السائق المخالف فقط، بل يسيء إلى آلاف السائقين المحترمين الذين يعملون بجد وأمانة ويعتمدون على هذه المهنة في إعالة أسرهم.
إنقاذ قطاع التكسي الأصفر لا يكون بمحاربة تطبيقات النقل أو تحميل المواطن مسؤولية خياراته، بل بإعادة بناء الثقة المفقودة. فالمواطن لا يبحث عن الرفاهية، بل عن الاحترام. ولا يطالب بمعاملة خاصة، بل بخدمة تليق بكرامته كمواطن.
حين يدرك القائمون على القطاع أن المنافسة الحقيقية تبدأ من جودة الخدمة وليس من القرارات الإدارية، عندها فقط يمكن للتكسي الأصفر أن يستعيد مكانته التي فقد جزءاً منها بسبب أخطاء كان بالإمكان معالجتها منذ سنوات.
فالمواطن لم يغادر لأنه يريد ذلك، بل غادر لأنه سئم الانتظار، وسئم الانتقائية، وسئم الأعذار، وسئم أن يشعر في كل رحلة أن حقه في خدمة محترمة أصبح مطلباً استثنائياً لا حقاً طبيعياً.
حين تصبح كرامة الراكب أولوية، سيعود المواطن من تلقاء نفسه، أما إذا استمرت الأخطاء ذاتها، فلن تستطيع أي قرارات أو تعليمات أو حملات إعلامية أن تعيد ثقة ضاعت بسبب ممارسات يعرفها الجميع ويتحدث عنها الجميع ويتحمل نتائجها المواطن وحده.