أ. د. احمد بطاح : تحديات مُستجِدّة أمام الجامعات الأردنية
إنّ مما لا شك فيه أنّ الجامعات الأردنية تواجه تحديات كبيرة لكي تحقق الأهداف التي اُسست من أجلها، ومن أجل أن تحقق ميزة التنافسية(Competitive advantage)، ولعلّ الإنصاف يقتضي أن نقول بأنّالجامعات الأردنية حقّقت إنجازات كبيرة ومازالت في مقدمة الجامعات العربية بشكل عام، إلّا أنها يجب أن تُعيد النظر في مسيرتها بين حين وآخرلكي لاتتخلّف عن الجامعات العالمية المرموقة التي سجلت حضوراً مشهوداً في التصنيفات(Rankings) العالمية الموثوقة، ولعلّ أهم هذه التحديات:
أولاً: إعادة النظر في أهدافها فالجامعات الأردنية شأنها شأن غيرها من الجامعاتلها ثلاثة أهداف هي التدريس، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، غير أن مستجدات العصر، ودخول عالم الثورة الصناعية الخامسة (عصرالرقمنة) يقتضي من الجامعات الأردنية ألّا تركن إلى التدريس التقليدي القائم على التلقين وحشو الأدمغةبالمعلومات، بل أن تتبنى بشكل متزايد التعليم الإلكتروني، والتعلم المتمازج (Blended Learning)، والإفادة من الذكاء الاصطناعي(Artificial Intelligence) في العملية التعليمية، وفيما يتعلق بالبحث العلمي فلا بدّ لها أن تتوجه إلى البحوث التطبيقية(Applied research) التي يمكنتوظيفهافي تلبية الاحتياجات التنموية الأردنية (في مجالات الطاقة، والمياه وغيرها...)، أما فيما يتعلق بخدمة المجتمع فلا بدّ من مغادرة الفهم التقليدي لهذا الهدف وهو تقديم خدمات مبعثرة هنا وهناك (يوم طبي تقوم به كلية الطب، محاضرة في الإرشاد
النفسي تقدمها كلية العلوم التربوية في مؤسسة ما…) إلى تقديم مساهمة مُعتبرة في خطة التنمية المستدامة(Sustainable Development) المعتمدة على مستوى البلاد ضمن المسؤولية المجتمعية(Social Responsibility) للجامعة، وبهذا المعنى المُشار إليه آنفاً فإنّ الجامعة يجب أن "تكيّف" أهدافها التقليدية بما يتناسب مع روح العصر، ومتطلبات التنمية المُستدامة للوطن.
ثانياً: تدويل الجامعات الأردنية، وذلك من خلال استقطاب طلبة بأعداد كبيرة من الدول الأخرى، وتبادل أعضاء هيئة التدريس مع الجامعات المختلفة، ومن خلال عقد اتفاقيات مع الجامعات ذات السمعة(Reputation) العالمية.
ثالثاً: تنمية المهارات الشخصية للطلبة: إنّ دور الجامعات العصرية لم يعد منح الطالب شهادة مُعينة بقدر ما أصبح دورها تمكينه من مهارات ضرورية يستطيع من خلالها معايشة عصره بفعالية كإتقان اللغة الإنجليزية، والتفكير الإبداعي(Innovative thinking)، والتواصل مع الآخرين، وعمل الفريق(Team work).
رابعاً: تكريس الحاكمية في المؤسسة الجامعية بما يجعلها مستقلة أكاديمياً وإدارياً (حُرة في اختيار قياداتها وكادرها التدريسي، وقبول طلبتها، ووضع مناهجهاوخططها)، وبما يمكّنها من تعزيز الشفافية(Transparency) وتطبيق المساءَلة (Accountability).
خامساً: دعم الابتكار وريادة الأعمال:الأمر الذي يقتضي منها تأسيس حاضنات الأعمال، ودعم المشاريع الناشئة للطلبة، والتشبيك مع الشركات والمستثمرين.
سادساً: المساهمة مع الدولة والقطاع الخاص في تبني استراتيجية وطنية طويلة المدى (20-30 سنة) لتطوير التعليم العالي بحيث تشتمل هذه الخطة على مؤشرات (Indicators)واضحة لقياس مستوى التطور سنوياً، وذلك انطلاقاً من أن إصلاح الجامعات لا يرتبط بهافقطبليرتبط أيضاً بالإصلاح الاقتصادي، وتمويل البحث العلمي، والاستقرار التشريعي وغيرها.
سابعاً: إعادة النظر في أسلوب تعيين رؤساء الجامعات والعمل على مأسسته واستقراره، مع إعطاء مجلس الأمناء (of TrusteesBoard) دوراًمهماًفي هذه العملية، ولعلّ تعديل آليات اختيار رؤساء الجامعات وتخفيض أعداد مجالس الأمناء في مشروع قانون الجامعات الأردنية 2026 خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح حيث نصت هذه التعديلات على ضرورة أن"يوصي مجلس أمناء الجامعة لمجلس التعليم باسم رئيس جامعة المنويتعيينه، على أن يقوم مجلس التعليم بالتنسيب لرئيس الوزراء باسم الرئيس"، كما نصّت على تقليل عدد أعضاء مجالس الأمناء من 13 عضواً إلى 9 أعضاء.
ثامناً: المطالبة بزيادة "ضريبة المعارف" الواردة في قانون التربية والتعليم رقم (13) لسنة 2026 والمقررة بنسبة (2%) للارتقاء بمستوى التعليم العام إلى (3%) للإنفاق على الجامعات بقصد تخليصها من مديونيتها،ودعم الأبحاث العلمية فيها وبخاصة تلك الهادفة إلى التغلب على المشكلات المزمنة التي تعاني منها البلاد كالمديونية، والمياه والطاقة وغيرها.
هل هذه هي كل التحديات التي تواجهها الجامعات الأردنية في الوقت الحاضر؟ بالتأكيد لا فهناك غيرها كثير ولكنني حاولت التأشير على بعض هذه التحديات التي أعتقد أنّ التغلب عليها يرقى بالجامعات الأردنية ويصلها بالعصر، ويمكّنها من تحقيق أهدافها بكفاية وفعالية.