اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : الأردن دولة وصل لا فصل

د. خالد الحريرات البطوش : الأردن دولة وصل لا فصل
أخبارنا :  

تفيد ألف باء الجغرافيا بان الحدود قد تكون طبيعية ترسمها مجاري المياه او سلاسل الجبال، وقد تكون سياسية تسير في خط مستقيم حين لا يستعصي عليها شق الصحاري او السهول لاقتسام السيادة والنفوذ في مساحات واسعة تتوافق عليها الدول المتجاورة، وتتشابك تلك الحدود على خارطة العالم في نسق غير نمطي، ندرك معها ان اشكال الدول الجغرافية لا يمكن ان تكون منتظمة، وان صفحة الدول على الخارطة ليست مربعات مرصوفة بحدود متشابهة.

وجدت الحدود لرسم مجال سيادة الدول دون ان تمنع تواصل الشعوب او تفصل المصالح المشتركة، فهل وجدت سلوفاكيا مثلا للفصل بين بولندا وهنغاريا؟! ام هل رُسمت حدود كمبوديا لتعزل فيتنام عن تايلاند؟! ولماذا يتم فصل المانيا عن النمسا بينما يجمعهما تاريخ ولغة مشتركة؟! وتزدحم جغرافيا العالم السياسية بمساحات متداخلة بين دول يجمعها تاريخ مشترك وثقافة واحدة، دون ان ينكر احد عليها الحق في الاستقلال او خيار عدم الاندماج، ولا تفسير لذلك سوى حرية الشعوب في تقرير مصيرها.

المشكلة ليست في الخارطة، وانما في المنطق المقلوب في قراءة تفاصيلها، واستقلاب المنطق لا يقف عند فحص شكل الخارطة والتنكر للجغرافيا التي تستعصي فيها اشكال رقع اليابسة ومساحات المياه على الانتظام، وانما العلة في الانتقائية عند قراءة التاريخ، واجتزاء احدى تداعياته وتثبيتها بمعزل عن السياق المائج بالارهاصات الذي تولدت فيه.

في التاريخ الاحداث وليدة ظروف قد لا تتكرر وقد لا تستمر، وادعاء الحكمة بأثر رجعي يمثل ظلما للحقيقة، ويبني مقاربة على افتراض مغلوط لتصور مثالي في حالة ثبات في محيط غير مثالي في حالة حركة، فقد كان طموح الثورة العربية الكبرى تأسيس دولة واحدة في المشرق العربي، ولكن لم تأت القمرة على هوى الساري، ولم يكن بالامكان افضل مما كان، غير ان النزعة الى الوحدة لازمت الاردنيين طوال عمر الدولة، وقد أثمر الشغف بها وحدة مع الضفة الغربية في فلسطين عام 1950، ثم اتحادا مع العراق عام 1958 كان مفتوحا لمن يرغب بالانضمام من الدول العربية، ولم يكن انتهاء المشروعين ذنبا للاردنيين بقدر ما كان كشفا لمقاومة الفكرة من خارج الاردن.

الوصل مع الاشقاء العرب ليس ادعاء بقدر ما هو حقائق يذكرها التاريخ، فقد سهّل الاردن للجيش العراقي التوجه لقتال الاسرائيليين عام 1948، ولا زالت مقبرة شهدائه تعطر ثرى مدينة المفرق، كما اتاح للجيش المصري التصدي للطيران المعادي في مواقع متقدمة داخل الاراضي الاردنية عام 1968، ومن الجنوب استقبلنا الجيش السعودي وبقي في الاردن حتى عام 1976، ولا زلت اذكر في بواكير الوعي الاولى تواجد القوة السعودية في منطقة مرتفعة تطل على قريتي الطيبة في الكرك، فاذا لم يكن هذا وصلا عربيا، فما عساه ان يكون؟!!! طوال ما ينوف على قرن من الزمان، هو عمر الدولة، لم تكن الجغرافيا الاردنية الا امتدادا للوطن العربي الكبير، ولم يكن إطلاق تسمية الجيش العربي على قواتنا المسلحة الا تعبيرا عن هذه القناعة، فقد خاض الجيش العربي معارك الشرف والبطولة وقدم مواكب الشهداء دفاعا عن الحقوق العربية، ووضع خبراته ومقدراته واسلحته في خدمة الجيوش العربية المرابطة على الاراضي الاردنية، فهل يمكن القول بعد ذلك بانه يفصل بين الدول العربية؟!!! لا يختلف اثنان على أهمية وضرورة الوحدة العربية، ولا أحد ينكر ان الواقع العربي ليس في افضل حالاته، ولكن ليس بالضرورة ان تكون الدولة القطرية العربية عائقا امام الاتحاد، وقد يكون جلد الحالة التي تمثلها هروبا من العمل الجاد للتغيير، ولعل التعاطي بواقعية مع الوضع القائم يبدأ بتوظيف امكانات وقدرات الدول العربية لاطلاق مشروع للوحدة من الدولة القطرية ذاتها دون ان يتنكر لوجودها، ومفهوم الوحدة بمعناها الحديث يتطلب بناء مشروع نهضوي يستند الى عناصر القوة في كل قطر عربي، وينطلق من هذا الانجاز وليس من انقاض القطر ككيان مستقل، ويمكن استحضار حالة الاتحاد الاوروبي كنموذج متقدم لوحدة اقتصادية ودفاع مشترك مع احتفاظ كل دولة باستقلالها، وهي قصة نجاح قريبة تثبت ان هناك بدائل ممكنة لتكامل عربي سياسي واقتصادي وعسكري ينطلق من الوضع القائم ولا يقفز عليه.


مواضيع قد تهمك